مسرحيَّة “الـحجَر الأسوَد”.. استدعاء التأريخ وربطه بمجريات الساعة

لجأ الكُتاب المسرحيون في الوطن العربي إلى التاريخ، بغية صنع مسرح عربي أصيل يستلهم مادته من التاريخ العربي الإسلامي لتأكيد الهوية القومية العربية. حيث يعتبر التاريخ مادة خاما، يمكن تشكيلها لصنع أعمال درامية تحوي موضوعاتها الدلالات الرمزية والموحية.
وتُعد مسرحية «الحجر الأسود» خير مثال على استدعاء التاريخ وربطه بمجريات الساعة، وأخرجها للمسرح منصف السويسي بمسرح الشارقة الوطني. وتتقارب هذه المسرحية مع النصوص المسرحية السابقة للمؤلف، حيث إن معظمها يجسد الصراع العقائدي، ولكنها تختلف بالطبع من حيث الموضوع والمعالجة والرؤية الإخراجية لها بعد ذلك.
وقد حاول المخرج السويسي التملص من سردية الأحداث التاريخية وواقعيتها من خلال اللوحة التعبيرية التي استهل العرض بها، والتي حملت أجواء أسطورية اقتربت من ألف ليلة وليلة، وتناغمت مع الأداء الاستعراضي للممثلين، والذين سعوا لتقديم لوحة راقصة بتشكيلات حركية تعبيرية، عبرت عن التوهج الحضاري في ظل الدولة العباسية خلال الفترة الأولى سنة 132هـ، والتي تعود إلى عام 750م.
كما سعى المخرج إلى تقسيم خشبة المسرح، ما ساعده على الولوج الضمني إلى واقعية الأحداث التاريخية، ومهد للمشاهد الدخول إلى عالم شخوص وأحداثها، من خلال تحديد مستويين متفاوتين، المستوى الأول؛ هو الجانب الخلفي من الخشبة حيث تدور الأحداث التي يقودها الكورس (الحروب، التماثل مع حالة الشخصيات في مقدمة المسرح، القتل… النواح…)، في حين أن الجانب الأمامي وقعت عليه الأحداث الرئيسة. وهذا نقل المشاهدين إلى أحداث المسرحية ومعايشة شخصياتها وصراعها من أجل تحقيق العدالة، ومحاربة الفساد الذي طال البلاد والعباد. كما ساعد ذلك في رفع الإيقاع السريع، وزرع عنصر التشويق في مفردات العمل لحث الجمهور على المتابعة.
وبذلك لم يغفل المخرج أهمية تواصل الجمهور مع الحدث التاريخي وتصديق واقعيته ومشاطرة شخوصه القضية، من خلال إصراره على كسر الجدار الرابع، وجعل طاقم العمل يتسلل بين الجمهور بغية كسر الإيهام المسرحي. وتكمن أهمية العرض في كونه يناقش قضية شائكة في عصر تداخلت فيه المفاهيم السياسية والدينية من خلال سرد القصة التاريخية التي قد يجهلها البعض، كما يتحرج البعض الآخر من الحديث عنها .



