جرأة التناول ورصانة الأسلوب في قصص “شفرات حيوانسانية”

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الكاتب والناقد محمود الهاشمي، ان القاص والصحفي “حسين الذكر” في قصص “شفرات حيوانسانية” حاول سبر أغوار البيئة لفك شفر العلاقة الانسانية بشريكه الحيوان وفهم معانيها ومشتركاتها الفعلية، للبحث عن سبل جديدة لخلاص الانسان وربما الحيوان معاً.
وقال الهاشمي في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: ان أجمل ما في كتابات القاص والصحفي “حسين الذكر” انه جريء في تناول الموضوعات دون النظر الى منزلتها لدى الآخرين، بما في ذلك عند الكتاب والمؤلفين السابقين، فهو يمتلك بصيرة خاصة يرى فيها العالم غير ما يراه الذين يقفون الى جواره، يتطلع الى المخلوقات فيعيد انتاجها بلغة جميلة وفلسفة جديدة، وليس لك إلا ان تعترف بمهارته في التناول والبناء وهو يعلم جيداً انه يغامر في نصوصه وأبطال قصصه سواءً كانوا بشراً أسوياءً أو مجانين أو حيوانات، معتقداً بانه في ذلك يمضي في محاولة لـ”سبر أغوار البيئة لفك شفر العلاقة الانسانية بشريكه الحيوان وفهم معانيها ومشتركاتها الفعلية للبحث عن سبل جديدة لخلاص الانسان وربما الحيوان معاً”.. كما جاء في مقدمة الكتاب الذي نحن قيد الكتابة عنه والمعنون “شفرات حيوانسانية”.
وأضاف: ان الكتاب لا تتعدى صفحاته سوى الـ75 صفحة لكن يحوي في متنه قصصاً وأحداثاً مدعاة للتفكير والتأمل، فالكاتب “حسين الذكر” لم يجعل من الحيوانات بطلاً مطلقا لقصصه بل تداخل معها وفك شفرة لغزها، فجاءت النصوص وكأنها مشاعر لإنسان يريد للعالم ان يعيد النظر بجميع المخلوقات والأشياء التي حوله فليس في الصلاح، ان نتوارث أفكاراً وأراءً وقصصاً عن “الآخر” ونعدّها من المسلمات التي لا حوار ولا نقاش فيها فمثلاً ان الطير “البوم” مدعاة للشؤم وحين تحلق من أمام المارة قد يغيرون وجهتهم أو مقاصدهم دون ان يتفهموا حقيقة هذا الطير.
وتابع: في قصة “شؤم البوم” ص (39) يقول الكاتب عن هذا الكائن، “ان البعض لا يعدها من الطيور وعلى الرغم من انها طائرة فانهم يعدونها من الأرواح الشريرة المحلقة التي تعكس الشؤم في يوميات الناس”، ويؤكد “ظلت تلك الخرافة معششة في رأسي وأكثرية من أعيهم طوال عقود خلت، بل وجدت انها فكرة اتسعت لتشمل أغلب الدول والمجتمعات”، ثم يعكس الكاتب وجهة النظر عن طائر البوم “ربما هو أيضا يتشاءم من بني البشر”.. بعد ذلك ينتصر الكاتب للطير ويرى ان التهمة الموجهة اليه بانه عنوان للتشاؤم محض كذب وافتراء ويصفها بـ”المؤامرة” ويقول “فخامرني شك في امكانية نظرية المؤامرة التي أصبحت أفكر بها بكل شيء حتى في الأكل والشرب والمعتقد والتعليم و…الخ”.
وأوضح: لا شك ان الكاتب ولأنه يعمل في الميدان الاعلامي بات يدرك تماما ان هناك مؤامرة في قلب الحقائق وان كل ما نتلقاه في الاعلام يحتاج الى اعادة نظر وعدم الاستسلام لما نرث ونسمع ونقرأ.
وبيّن: ان ما كان في قصته “شؤم البوم” يشبه في أغلبه قصص المجموعة، ففي قصته “تزاحم الذباب” يحاول الكاتب ان يجد في “طنين الذباب” وسيلة للإزعاج واثارة الفزع لدى ابناء المجتمع واضطرار الناس ان تبحث عن وسيلة للتخلّص من هذا “الطنين” الذي يقول عنه الكاتب “الصوت اقتحم المدارك لم يترك وتراً حساساً إلا وازعجه انتفض الناس من مضاجعهم يتلمسون ذلك الطنين المزعج”، لكن الكاتب وكما المعتاد يشكك في أصل الطنين فيقول عنه: “لن نتلمس شيئا على أرض الواقع”، ويقول ايضا ولم يستنبئوا منه رؤيا، ويتصاعد الشك ليصل الى مستوى اعتقاد بالمؤامرة، فيقول على لسان الشعب، ان “السلطات توظف المكننة لصناعة الهوس”، من هذا نفهم ان الكاتب ومازال في ميدان التشكيك في كل ما يحاك من مؤامرات على الأمة، فمثلا قد يرقى به الاعتقاد ان “جائحة كورونا” ليست بأكثر من مؤامرة خطط لها “الكبار” ضد “الصغار” .
وأشار الى ان جميع قصص المجموعة عناوينها صريحة بأسماء الحيوانات والطيور وهو ضرب من الأدب العالمي مارسته الشعوب وقد تفرد به العرب في العصر الجاهلي والعباسي وصولًا الى “كليلة ودمنة” لكاتبها ابن المقفع، كما كتب الجاحظ وابو علاء المعري وغيره، معبرين فيها عن سخطهم وانتقادهم للسلطة آنذاك وهو أدب رفيع يحتاج الى مهارة وسلاسة في الطرح والتناول وفي اجراء تصعيد على المخلوقات الصغيرة للتحول الى مخلوق آخر غير الذي اعتدناه.
وختم: لا أريد ان أمط من جسد المجموعة، فقد تفقد مكامن قوتها بل نقول انها نصوص جاءت بعفوية عالية وبلغة أدبية اختلط فيها منهج التراث القصصي الذي جاء على لسان الحيوانات لكبار الكتاب العرب مع أسلوب الكاتب المعتاد الذي تشوبه الرومانسية وآداب جماعة “الاوبولو” من جبران خليل جبران الى فوزي معلوف وغيرهما في الوقت نفسه، ان المجموعة فيها رسالة انسانية وقيمية في ان تعيد النظر بكل ما حولها من كائنات متحركة، وان يكون العقل حاكماً بدلاً من مسلمات الموروث.



