سينمائيون كبار يحولون سيرهم الذاتية إلى أفلام

عندما قدّم المخرج المكسيكي ألفونسو كوارون فيلمه “روما” قبل أربع سنوات، كانت الأفلام التي يستعير فيها المخرجون المؤلفون عناصر من سيرهم الذاتية، بهدف بناء عالم خيالي انطلاقاً من تفاصيل معيشة، غائبة عن الشاشة منذ فترة. وبهذا المعنى، شرّع كوارون الطريق مجدداً لنوع سينمائي وقع في النسيان على مدى العقود الأخيرة رغم أنه كان رائجاً في مرحلة ما، مع أمثال فيلليني وبرغمان وتروفو ويوسف شاهين وغيرهم من الذين وظفوا تجربتهم الحياتية في سبيل الفن. في هذا الإطار، شكّل “روما” عودة كوارون إلى الينبوع، أي إلى المكسيك التي كان هاجرها سينمائياً منذ 2001، ليصوّر أفلامه بعيداً منها. لكن عندما لبّى نداء الحنين إلى الوطن، عاد إليه ليموضع كاميراه في عاصمة المكسيك المعشعشة بالحكايات. أما على مستوى الزمن، فكانت نقلة إلى السبعينيات، تلك الحقبة المرتبطة مباشرة بطفولة المخرج المولود عام 1961، وكذلك بالذكريات التي عاشها خلال صباه.
مع “آل فايبلمان” يعود ستيفن سبيلبرغ إلى سيرته الشخصية، في خمسينيات القرن الماضي وستينياته. وهي في الواقع شبه سيرة، متداخلة مع السينما، وذلك من خلال قصة سامي فايبلمان المهووس بالأفلام الذي يعي وهو في عمر المراهقة، أهمية السينما في البحث عن الحقيقة واكتشافها. صحيح أن معظم أفلام مخرج “إي تي” فيها تلميحات إلى سيرته التي كانت دائماً مصدر إلهامه، لكنه هذه المرة يتطرق إليها مباشرة وبلا مواربة، مما يجعل عمله هذا أكثر أعماله شخصيةً، إذ يستند فيه إلى تفاصيل من طفولته التي عاشها في أريزونا، وكانت السينما يومذاك شغفه الأكبر. ينبش سبيلبرغ مجدداً في تيمة العائلة التي شكلت أحد أركان سينماه، بكل ما تعنيه من اضطرابات، نظراً لما عاشه من ظرف عائلي، نتيجة طلاق والديه، وأيضاً بسبب ما عاشه في المدرسة من اضطهاد لكونه يهودياً. يستعيد الفيلم التجربة الإنسانية التي جعلت من سبيلبرغ المخرج الكبير الذي نعرفه. مع ذلك، ليست الحكاية حكايته حرفياً، والفيلم شبه سيرة لا سيرة مطابقة للواقع، وهذا ما يسمح للمخرج أن يبقى على مسافة من الحقيقة، مطعّماً إياها بعناصر درامية.
بعدما قضى أكثر من نصف قرن يتناول حكايات الآخرين، شعر سبيلبرغ بحاجة ملحة إلى الحديث عن ذاته والنبش في دفاتره، وهو على مشارف الثمانين، في مبادرة يقوم بها عادة مَن يريدون ختم مسيرتهم. إلا أن هذه الفرضية تبقى مستبعدة في حال سبيلبرغ الذي لا يزال نشيطاً ويأتي بتحفة سينمائية، مرة أو مرتين في كل عقد. وينبغي التذكير أن والد المخرج، أرنولد سبيلبرغ، رحل قبل عامين عن عمر 103 سنوات، وهذا ما بثّ فيه ربما الرغبة في الوقوف عند تجربته. تعطل الحياة بسبب تفشي الوباء، كان له أيضاً تأثير في استعجال المشروع، وهي فترة يقول عنها سبيلبرغ بأنها وفرت للناس الكثير من الوقت والكثير من الخوف في آن. أما علاقته بكاتب السيناريو توني كوشنر، فيقارنها بالعلاقة بين المريض والمعالج.



