“قوارير المساءات” قصة تنتقد التجهيل في القرى أيام زمان

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد علي البدر، إن قصة “قوارير المساءات” للقاص والروائي شوقي كريم حسن، تنتقد التجهيل في القرى أيام زمان.
وقال البدر في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: “ذاك الوقت الذي مرَّ، لاهثاً، مثل حمار الدفان مهاور الأعور”، من هذه البداية التي اكسبت الوقت صفة الأنسنة وجعلته يلهث، تبدأ القصة لتوحي بوجود مسببات لهذا اللهاث، الذي لم يخلص منه حتى الحمار المتميز بالصبر والجلادة، وأيضا صاحبه “الأعور”، ومهنته غير المحببة، فهو لابدَّ أن ينزلنا إلى القبر في يوم ما، ويهيل التراب علينا.
وأضاف: وسرعان ما يمنحنا القاص شوقي كريم ومضات تسهل علينا معرفة سبب لهاث هذا الحمار المسكين، فهو ينقل جثث “الموتى، بين مغيسل القرية المدجنة بالسواد، وعلو اليشان، المليء بحدب شقت الأرض لتبتلع بقايا الخوف الذي رافق حياة الجميع”. ولا يقترب البعض منها ليلاً وقد تنسج بعض الحكايات المخيفة عنها. وتابع: “وفي مثل هذه الأجواء الملائمة، يتصدر الشيخ مطلك، وهو الذي يستغل أفكار البسطاء ليرسخ المفاهيم التي تثبت وجوده أطول فترة ممكنة، ولكن لابدَّ من جيل ينمو حيث يتصدى البعض منهم إليه وقد”، قال الولد الذي اشاع بأن اكاذيب مطلك، محضُ خرافاتٍ مجنونةِ، تريد لنا البقاءَ بين يديه لزمن لا يمكن تحديده..”، بينما يتهكم الآخر من محاولة ترسيخ الشيخ لفكرة “إن الشياطين تبيض لتفقس عن شياطين آخرين”.
وواصل: وعندما مات انتشرت الإشاعات بأن موت الشيخ “بداية ظهور الشياطين واولادهم، الذين يعملون على حكم القرية وافسادها، وطرد الاولاد الى مدن البعاد…”. وبينما انشغلت النسوة بالصراخ، بدت زوجة الشيخ تتمتم بكلمات غير مفهومة”، حيث امتزجت تمتماتها برائحة نتنة منعتها من التقدم نحو جسد زوجها. رائحة جعلت الدفان يخاف على حماره “من أين أعيش إن مات حماري..”، ويرفض نقل الجثة، لكن الزوجة اصرّت على التعجيل بدفنه.
وأوضح: ويبدو مما تقدم أن القاص شوقي كريم حسن بأسلوب سلس وانسيابي وباستعمال اسلوب الشخص الثالث third person في الحوار أحيانا، ومقطوعا بحوار ثنائي dialogue حاول تركيز الثيمة لكشف وتعرية محاولة استغلال البعض للدين والمتاجرة به، بخلق طبقة تصدقه وتؤمن بتعاليمه وقصصه، وأي مبدأ لابد من وجود طبقة فوقية upper class له والتي هي التركيب الاجتماعي لتحميه محاولا تدجينها حسب مبادئه، فهو يهيئ حتى الى ما بعد موته خاصة زوجته التي تظاهرت بأنها تجتر تسبيحات بتمتمات غير مفهومة، وهي بعيدة عن الجسد، حيث ألحّت على الدفان للإسراع بنقله لكنه رفض في البداية. وأيضا نفس الموقف من قبل الحمار الذي أصدر نهيقَ رفْضٍ واحتجاج. وقد اتخذ القاص نموذجًا مصغرًا لإحدى القرى، كبعد مكاني، حيث البساطة والطيبة في التعامل لكشف التناقض بين مفاهيم الدين وبين بعض تجاره، وعليه فإن البعد الزمكاني متجذر بالماضي وممتد للمستقبل الذي وكما يبدو لا يُبشر بتفاؤل يعطي زخمًا مقبولًا لهذه الطبقة.
وبيّن: نلاحظ اسلوب الرفض والاستهجان من قبل الأولاد، وهم عماد المستقبل، ويحاول القاص التدخل وكأنه يعكس ما بداخله He reveals himself لزيادة ترسيخ أفكار الكره نحو الملأ وتلك الرائحة النتنة والخوف على موت الحمار جراء استنشاقه للروائح وعليه يكون الحمار أعلى شأناً ومنفعة من الشيخ، وبرغم تعوده على رائحة الموتى فإن رائحة الملأ قد تقتله ولكن لابد للوعي أن يأخذ مجراه، عندما أحرجه أحد الأولاد بوجود الشيطان وان الجن لا يفقس عن الشياطين فقط. وكأنه يستفزه ويكشف علاقاته مع النساء. وعند وفاته ظهرت الزوجة حزينة. لكنها عندما طلبت من الدفان نقل الجثة ردها بجرأة “حياة حماري غالية…”، وعندها ردت عليه “لك مني ما تشاء من المال”.
وأكمل: نتساءل عن عتبة القصة التي بيَّن القاص مداها الزماني “قوارير المساءات”. والقوارير رمز للمرأة وضرورة مراعاتها بذوق ولطف، ولابد ان نستغرب لوجود هكذا مساءات في قرية، تستعمل الحمار كواسطة نقل وتقيّدها بالقيم الاخلاقية المحافظة والروابط العائلية القروية القوية لحد التزمت.
وتساءل: ألم يكن بعضهم متهكمًا ومستهزئًا ورافضًا بوجود الشيخ؟ وللإجابة عن هذا التساؤل، أقول بأن الغناء لابدَّ ان يكون حزيناً وسط المقابر المدفون بها أهلنا وأعز اصدقائنا وايضا لابدَّ ان نتذكر دورنا في مغادرة الحياة حيث ينتابنا إحساس الحزن المشوب بالخوف والتوتر وعندها يكون النوح والبكاء واردًا ولا تناقض فيه، برغم اقترانه بجنازة الملا. وقد يَبكي الإنسان وينوح على واقعه المُر أحيانًا، الآن وغدًا وبعد غد، وعندها يكون أولاد اليوم قد كبروا والألم قد بلغ مداه، وعليه تكون محاولة القاص والروائي شوقي كريم حسن، صرخةً واعيةً تعكُس فكرًا مسؤولًا يرفض التجهيلً والتحريفً وإشاعةً التخلفً ولابد للقادمِ أن يكونَ هو الأفضل.



