ثقافية

التشكيلي عبد الهادي مريد.. رؤية العالم من خلال الألوان

 

المراقب العراقي/ متابعة…

عبد الهادي مريد من الذين اختاروا المسلك التلقائي منهجهم التشكيلي، مستنبطين باللون الحركي أطيافهم المجنحة، على طريقة الخيميائيين في حلمهم، أو الدراويش المتأهبين لخوض رحلة وجودهم. كان يصغي إلى سرائره الباطنية، وكان يحلّق مع تداعيات أخيلته في عالم هلامي، وسمّاه الناقد الفني إبراهيم الحَيْسن عام 2016 بـ”مدارات لونية”. يمثل كل مدار بؤرة تمركز الطاقة في الجسد على نحو يذكرنا بنظام الشاكرات في التراث الهندي. أليس كل لون نوراً في أصباغه المختلفة؟ أليس كل لون حالة روحية ونفسية في الآن ذاته؟ أليس كل لون مظهراً من مظاهر الوجود وتفسيراً أولياً لها؟ أليس كل لون، أيضا، سحر الحياة الدائم؟ نحن بصدد أطياف تفكيكية وتركيبية معا تحيلنا على هيآت الأشعة الملونة الشفافة التي اشتغل عليها نيوتن، معتبراً إياها عناصر النور. من الصعوبة بمكان معرفة أين ينبجس اللون الواحد، وأين يتجلى اللون الثاني؟.

في أقانيم تجربة عبد الهادي مريد بكل إحالاتها الرمزية، نستقرئ أهمية الإدراك اللوني بكل مظاهره الفيزيائية والسيكو- فسيولوجية. يا لها من أطياف مرئية، يا لها من كوريغرافيا متسامية، إنها بمثابة موجات ضوئية وحركية تستميل العين الرائية، وتعزز ثقافة انتمائها الوجودي إلى هذا الكيان الآدمي المشترك، المسكون بثنائيات الحياة والموت، النور والظلام، الامتلاء والفراغ، الحضور والغياب، المطلق والنسبي، الثابت والمتحوّل، القدسي والدنيوي.

كلما أمعنا التأمل في عوالم عبد الهادي مريد، نستشف تلك الهيأة متعددة التمظهرات اللونية التي تخترق الأسطقسات الطبيعية الأربعة للكون (جاء في لسان العرب: اللون هيأة كالسواد والحمرة) متماهية مع الأجواء البصرية العامة للمشاهد الإيحائية التي تجدد شطحاتها ومدارجها من لوحة إلى أخرى، فهي معادل رمزي للرقص الجامح، ولطقس العبور من انطباع خيالي إلى آخر. نحن في إطار تبادل سرمدي بين الأعلى/الارتقاء والأسفل/ الانتكاس على وفق ما تستلزمه دورة التجدد الدائمة: عبور ربيعي من الموت إلى الحياة، وعبور خريفي من الحياة إلى الموت. أليست الاستعارة التخييلية ذاكرة المستقبل وأفقه؟.

في مشاهد عبد الهادي مريد المائجة، يغيب كل إيحاء رمزي جنائزي مقترن باللون البنفسجي، فهو يخترق كل حداد رامبوي، ويعبره نحو الحياة، في انسيابية آسرة تصالح بين السماء والأرض والروح والجسد. مشاهد تنمُ عن همس الحدس من داخل الذات لا من خارجها.

يرى عبد الهادي مريد العمل الفني، كتحليق طليق مثل الهواء والماء. تتدفق الأشكال الإيحائية كأطياف عائمة تتراوح بين التعبير الجواني والتجريد الخالص، بعيدا عن كل إلزامية شكلانية أو أسلوبية ابتداعية، الأمر شبيه بهيولا الخيال الخلاق، تبدأ من حيث تنتهي. بطلاقة ومرونة، يرسم الفنان على سجيته رشاقة الأشكال المنتشية والمتشبعة لوناً وبنية وتلميحاً. يشي كل عمل فني برغبة جامحة في الإنصات لصوته الباطني، أقصد للهيبه الداخلي المتأجج الذي يضفي عليه حركية وتلقائية. إنه نافذة جديدة على الحياة، لا مجرد انفعال أسلوبي أو انبهار تقني. أليس الفن بتعبير آنغر هو الحياة بكل صورها التي تتغير وتتلون ولا تنتهي؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى