“تائهون”.. مسرحية تروي تاريخاً آخر للقسوة

المراقب العراقي / متابعة…
تقدّم مسرحية “تائهون” للمخرج التونسي نزار السعيدي، توصيفاً دقيقاً للوضع الذي تعيشه البلاد في سياق داخلي وإقليمي ودولي مضطرب الذي كشف الوجه القبيح للوطن والعالم.
المسرحية التي عُرضت على خشبة مسرح الحمامات جنوب العاصمة تونس، هي ملخّص لإحدى عشرة سنة عاشها التونسيون منذ ثورة كانون الثاني 2011 وما تبعها من تحولات اجتماعية أثّرت على المزاج العام وعلى الأخلاق والعادات والممارسات اليومية والعلاقات بين مختلف الفئات الاجتماعية.
وتنطلق المسرحية التي يؤدي أدوارها كل من تماضر الزرلي وانتصار عويساوي وجمال ساسي ورمزي عزيز ومحمد شعبان وصادق الطرابلسي وعلي بن سعيد، بفيديو يوثّق حالة الانفلات والفوضى في الشوارع الجانبية لشارع الحبيب بورقيبة في العاصمة التونسية، حيث بدت مظاهر اللامبالاة وضعف المواطنة وضعف الدولة في آن.
وبعد الفيديو تنطلق أحداث المسرحية على خشبة المسرح بمشهد صادم للمتفرج يهزّ كيانه يتمثل في ارتكاب جريمة بشعة أقدمت عليها شابة تدعى “إشراق” حيث قتلت والدتها ونكّلت بجثتها قبل سحلها إلى الشارع، لتنشر فيما بعد فيديو اعترافها بالجريمة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وحلّفت هذه الحادثة جملة من التساؤلات، وتحولت إلى قضية رأي عام يتناولها المختصون بالتحليل والبحث عن الأسباب التي تقف وراءها، وتفسير وجع الذات وتعقيداتها، لكن الأحداث تزداد تعقيداً مع ارتكاب هذه الفتاة جريمة ثانية حيث قتلت أستاذها، وبعد أسبوع من الملاحقات والتحقيقات، تنتهي المسرحية بانتحار الفتاة تاركة وراءها أسئلة عالقة حول واقع الضياع والتّيه الذي يعيشه كثير من الشباب التونسي، وتساؤلات موجعة: كيف حدث هذا؟ لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ لماذا انفلت الشباب في غفلة من الجميع؟ ومن الضحية ومن الجلّاد؟.
ومن خلال هذه القصة المحورية الصادمة، تغوص المسرحية في ظواهر مجتمعية طفت بعد ثورة كانون الثاني 2011… انفلات أمني، انفلات أخلاقي وقيمي ومجتمعي وانفلات سياسي أدّى إلى انتشار الفوضى في الأحزاب والسياسات العامة والاقتصاد إضافة إلى انتشار غير مسبوق للجريمة، بمختلف مظاهرها وللعنف بمختلف أشكاله.
وترتقي المسرحية في بعض جوانبها إلى درجة الدراسة الاجتماعية التي تشرح شخصية التونسي وسلوكاته في السنوات الأخيرة، وتنتهي إلى أنّ هذا الجيل الناشئ بعد 2011 نشأ على الفوضى وعبارات التخوين والتخويف والصراعات، وعلى الألعاب الإلكترونية الدموية، فتشكّل جيل هشّ نفسياً يريد التحرر من كل القيود المجتمعية لكن دون التفكير في العواقب والنتائج التي تبدو كارثية على الجميع.



