اراء

حين يدفع المواطن العراقي ثمن الحكومة الفاشلة

 

بقلم /  مثنى عبد الله..

يتقاطر العديد من المواطنين العراقيين من الجنوب والوسط، إلى المناطق الجبلية المحاذية للحدود التركية في شمال البلاد، هربا من درجات الحرارة المرتفعة، التي يُضاعف تأثيرها في حياة الناس انقطاع التيار الكهربائي ومياه الشرب.

ولأن السفر إلى هذه المناطق أسهل وأقل كُلفة من السفر إلى خارج البلاد، بالنسبة لأصحاب الدخل المحدود، فقد ازدهرت هذه السياحة، وأصبحت محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وجهات مفضلة، لما تتمتع به من طبيعة وخدمات أفضل بكثير من بقية أنحاء العراق، إضافة إلى استتباب الأمن، وجودة الرعاية الصحية، لكن ما لم يكن متوقعا، أن يتم استهداف إحدى القرى السياحية في منطقة زاخو التابعة لمحافظة دهوك بقصف صاروخي في العشرين من الشهر الجاري، نتج عنه سقوط العديد من المواطنين الأبرياء بين شهيد وجريح. وقد حمّلت الحكومة العراقية أنقرة مسؤوليته وطالبت بانسحاب القوات التركية من أراضي العراق.. يُذكر أن تركيا تنفذ عمليات عسكرية تستهدف بها حزب العمال الكردستاني في الشمال العراقي، الذي يخوض تمردا مسلحا ضد السلطات التركية منذ عقود.

باتت دماء العراقيين مُستباحة من الأطراف والقوى الخارجية المتصارعة فيما بينها على المصالح، ولم يعد من مكان على أرضهم يمكن أن يجدوا فيه الأمن والأمان

وما بين الاتهامات الموجهة إلى تركيا بالمسؤولية عن القصف، ونفي أنقرة ذلك وتحميلها حزب العمال الكردستاني مسؤولية الحادث، تسارعت الإجراءات الحكومية العراقية الشكلية والمعتادة، والفارغة من أي محتوى سياسي وأمني، بإعلان الحداد الرسمي، وجلسات طارئة للبرلمان والمجلس الوزاري الأمني، وتقديم شكوى إلى الأمم المتحدة، وتغريدات استنكار من قبل رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء وجهات حكومية وحزبية أخرى. وكل ذلك مجرد وعاء تسول يظهرونه أمام العامة لكسب الرضا، وأملا في تأجيل فواتيرهم السيئة بسبب عدم قدرتهم على الذهاب للخيارات الصعبة والمطلوبة لحماية مواطنيهم. في حين يُسلّط الحادث حزمة ضوء ساطع على السبب الحقيقي وراء ذلك، وهو الفشل الكبير والمتواصل للدولة العراقية.. كما يكشف بصورة جلية عورة النظام العراقي وجدب العملية السياسية. فمنذ عام 2003 وحتى اليوم، لا همّ للسلطات الحاكمة سوى  الاصطفاف خلف هذا الطرف الدولي وذاك وتحقيق مصالحه على الأرض العراقية. ويتجلى هذا التشرذم في أوضح صوره عندما يتم الاعتداء على الأراضي العراقية، فإذا ما جاء العدوان من تركيا سنجد أحزاب الإسلام السياسي السُني، تحاول بشتى الطرق التهرب من التعليق على الحدث، والتمسك بالرواية التركية قدر الإمكان، وتسخيف كل تصريح بالضد من أنقرة.  

 وبين موقف هؤلاء وموقف أولئك تمتد مساحة واسعة من الفراغ الأمني والعسكري والسياسي على الساحة العراقية، تستثمر فيها كل الدول لتحقيق مصالحها التكتيكية والاستراتيجية. لقد بات في حكم اليقين الثابت أن العراقيين قد سئموا بشدة من المقطع الصوتي نفسه الذي يردده كل هؤلاء. وعود ووعود بلا ثمن، لأنهم مرتبطون قسرا بمشاريع الآخرين ولا يملكون إرادتهم. وعود بالحرية والديمقراطية ويقمعون ويقتلون شعبهم. وعود بالسيادة ويبيعون مواطنيهم للآخرين بقصف  بالمدفعية التركية. يسرقون ثروات البلد ويركبون على ظهور أهله. وبينما باتت دماء العراقيين مُستباحة من الأطراف والقوى الخارجية وهي تتصارع فيما بينها على المصالح، لم يعد هنالك من مكان على أرضهم يمكن أن يجدوا فيه الأمن والأمان.

إن منظومة العلاقات الدولية تشير إلى أن الدول تلعب على نقاط القوة التي لديها لتحقيق مصالحها، كما أن الموقع الجغرافي له دور كبير ومهم في هذا الجانب، مضافا إليه كيفية استغلال القادة نقاط القوة هذه لصالح الأمن القومي لبلادهم، بمعنى لا فائدة لنقاط القوة والموقع من دون قادة يستثمرون هذه المزايا لتحقيق مصالح بلادهم. وبما أن قادة العراق الجديد حاولوا ونجحوا في تحويل أنفسهم إلى علامات تجارية، في مجالات الطائفية والفساد المالي والإداري وصناعة الموت، وتقديم الوعود المتناقضة وغير المُكلفة، والتي يتم الكشف عنها يوميا على أنها قذارة سياسية تتراكم على قبورهم السلطوية. إذن كيف يمكن أن يستغل هذا النمط من الساسة نقاط قوة العراق وموقعه الجغرافي لتحقيق مصالح الشعب؟ بل مع كل الكوارث السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، ومع كل الخوض الدائم في دماء العراقيين الأبرياء، ما زال هؤلاء يتمسكون بالسلطة ولا يدغدغ عقولهم فكرة الاستقالة، من باب الحياء السياسي أو الشعور بالذنب ووخز الضمير، أو الإثم الديني، لأنهم ببساطة لا يشعرون بأنهم مدينون للشعب العراقي في وصولهم للسلطة، بل يبدو أن الدمار الذي يواجهه العراقيون على الأصعدة كافة، هو جزء من الحمض النووي لهذه الزمرة الحاكمة في بغداد. لقد باتت واحدة من المفارقات اللذيذة التي تلاحق السلطات القائمة في بغداد منذ عام 2005 وحتى اليوم، هو أن كل ما يستطيعون القيام به لمواجهة الأحداث الجسام، هو عاصفة كلامية من الإجراءات البعيدة عن المنطق، والتغني بالسيادة التي لا تُمس، وكذلك الاحتفاظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين، كما جاء في تغريدة رئيس الوزراء على الحادث الأخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى