اخر الأخبار

حكايات من الماضي القريب يهود اثيوبيا «الفلاشا» هجرتهم لإسرائيل وعلاقتهم بالعرب

هعحخجح

1

عاش يهود إثيوبيا عموماً في وضع منعزل عن بقية الإثيوبيين، ولم يكونوا يتصلون بهم إلا عند الضرورة، ولهذا الانعزال أسبابه. فهم يعدّون أنفسهم أفضل من الإثيوبيين في ممارساتهم وسلوكهم ودينهم، لذلك فإنهم ينظرون إلى الآخرين نظرة احتقار. وهم في الغالب يسكنون في مناطق خاصة بهم قرب الأنهار عادة لاحتياجهم لها للتطهر. وهم كذلك لا يسافرون بعيداً عن بيوتهم بسبب ذلك تحرجهم من أكل طعام الآخرين، خصوصاً وأنهم لا يأكلون اللحم النيء (غير المطبوخ) كبقية الإثيوبيين. كذلك يجب عليهم الاغتسال إذا مسّ أحدهم شخص ليس منهم. وهناك الاعتقاد بأن دينهم يفرض عليهم الاعتزال عن الآخرين. ويضاف إلى هذه العزلة امتهان مهن تعدّ دونية في نظر الإثيوبيين، مثل الحدادة وعمل الأواني الفخارية، وقد جعل هذا الإثيوبيين الآخرين يشكُون فيهم ويحذرون منهم. لذلك أطلقوا عليهم كلمة فيها معنى الشر وهي كلمة (Tib) وهي تعني الروح الشرير الذي يتقمص الشخص فيؤذي الآخرين من خلاله( ).
ويعتقد الإثيوبيون كذلك في أنّ يهود إثيوبيا يتحولون في الليل ضباعاً، تنبش القبور وتأكل الجثث التي فيها، حتى أنّ الأثيوبيين في مدة من المدد أخذوا يبحثون عن الضباع في كل مكان ليقتلوها، حيث قتلت في تلك المدة ضباع كثيرة. وفي بعض مناطق إثيوبيا عدّوا سحرة وآكلين للحوم البشر، حيث يأكلونها بطريقة سحرية وغامضة( ) كما يقولون عنهم، وكثيراً ما ارتبطت مهنة الحدادة بالـ Tib بل إنّ الحدادين عموماً تنالهم شبهة السحرة. والشك في أنّ الحدادين سحرة ليس حديثاً عند الإثيوبيين. فقد ذكر بأن أحد ملوكهم قي القرن الخامس عشر قد حكم على الحدادين بالاعدام لاتهامهم بالسحر، وكان مثل هذا الأمر قد حدث في القرن السابع عشر. ودخل هذا المعتقد أدبيات الإثيوبيين حتى في صلواتهم وأدعيتهم. وإلى فترة قريبة كان ينظر إلى الحداد على أنّه خادم الجميع، وإذا ما استخدم في الجيش، فإنه لا يعد من أفراده ولا أمل له في الوصول إلى مرتبة أعلى( ).
ولم يكن الفلاشا على علاقة طيبة مع ملوك إثيوبيا، وكانت لهم مع بعضهم معارك، بخاصة مع أولئك الذين حاولوا اجبارهم على اعتناق المسيحية، ولا بد ان نذكرهنا أنّ اليهود الأثيوبيين لم يضطهدوا لأنهم يمارسون اليهودية، إذ أن ملوك إثيوبيا يؤكدون دائماً ارتباط نسبهم بسليمان بن داوود، وكان بعضهم لا يحتمل عدم ذكر ذلك بحقه، وأنّ منليك الثاني (ت 1913م) وهيلاسي لاسي كليهما أضافا لقب «أسد قبيلة يهودا» إلى اسمه، لكن هؤلاء الملوك كانوا يضطهدون المجموعات الدينية – خصوصاً المنعزلة منها – التي تختلف معتقداتها عن معتقدات الكنيسة الإثيوبية. فهذا العداء لم يقتصر على اليهود الإثيوبيين ، بل شمل المسلمين والكيمانت والبروتستانت والكاثوليك وبعض الأقليات المسيحية الصغيرة الأخرى.
ولكن لليهود الأثيوبيين رأي مختلف عن هذه الآراء في أصل يهوديتهم، فهم يعتقدون بأنّ أصلهم من فلسطين، وهم يذكرون قصة وردت في كتاب « كبرى نغست » (مجد الملوك وهو كتاب عندهم يحتوي على قصص ملوك إثيوبيا وتاريخهم، ويعود تاريخ تأليفه كما يعتقد إلى القرن الرابع عشر. وطبقاً لما جاء في هذا الكتاب فإنَ ملوك إثيوبيا هم أحفاد سليمان من الملكة “بلقيس” التي يسمونها «مكيدا»، التي ولدت لسليمان بن داوود، بعد زيارتها له ورجوعها إلى بلادها ولداً اسمه منليك (الأول). وكان منليك عندما شبّ، وأصبح رجلا ذهب لزيارة أبيه في مملكته. وعندما رجع إلى إثيوبيا طلب سليمان من شيوخ إسرائيل، أن يرسل كل واحد منهم ابنه البكر مع ابنه. وقد مسح صادوق الكاهن “منليك” ملكاً على إثيوبيا (كما هي عادة بني إسرائيل القديمة). وقبل أن يرحل منليك أخذ المصاحبون له تابوت العهد معهم من الهيكل. ووضع هذا التابوت في اكسوم. ويقول الإثيوبيون المسيحيون أنه بعد أخذ التابوت غادر الروح الإلهي إسرائيل واستقر في إثيوبيا. ووضع التابوت في اكسوم فى مكان مقدس يطلق عليه القدس الثانية، ولا يدخل هذا المكان إلا كاهن واحد يقوم على خدمته. وتوضع في الكنائس الإثيوبية نماذج لهذا التابوت.
وتتميز يهودية اليهود الإثيوبيين في أنها تختلف عما هي عند عامة اليهود قي قضايا تتعلق بالمعتقد والممارسة. فتوراة هؤلاء تحتوي على أسفار ليست في توراة عامة اليهود مثل سفر اينوخ، وحكمة سليمان وحكمة بن سيراخ، وسفر باروخ وجوبلي وغيرها. وهذه الأسفار تسمى الأسفار غير القانونية، وأصبحت توراتهم تضم 46 سفراً. وهم كذلك لا يؤمنون بالتلمود ولا يعترفون به على خلاف ما يعتقده عامة اليهود،وهم بهذا مثل اليهود القرائين والسامريين (كان انشقاق السامريين عن اليهودية قبل الميلاد، أي قبل ظهور التلمود).
برز اهتمام اليهود باليهود الأثيوبيين في القرن التاسع عشر، بعد ما علموا أنّ مجموعة من المبشرين قد ذهبت إلى إثيوبيا للتبشير بينهم بعد ظهور كتاب جيمس بروس كما ذكرنا أعلاه( ). وانتدبت جمعية الاليانس اليهودية في فرنسا المستشرق اليهودي الفرنسي جوزيف هاليفي- وهو أحد الباحثين في اللغات السامية- للقيام بمهمة الاثصال باليهود الإثيوبيين. فغادر إلى إثيوبيا عام 1867م بصحبة الحملة البريطانية ضد الإمبراطور ثيودور الثاني، وبقي بين اليهود الأثيوبيين عدة أشهر. وعند رجوعه صحب معه أحد الفتيان منهم لدراسة اليهودية في أوروبا.
وقدم هاليفي تقريراً عنهم وعن أحوالهم إلى جمعية الإليانس، وقدّر عددهم آنذاك بنحو 150 ألفاً، وهو أقل من العدد الذي قدّره جيمس بروس. وفي بداية القرن العشرين ذهب يهودي آخر اسمه جاك فيتلوفتش، بتشجيع من أستاذه هاليفي وموّل رحلته اليهودي الثري روتشليد. وسافر أكثر من مرة فيما بعد إلى إثيوبيا حيث أخذ معه الكئير من المساعدات وأسّس مدرسة خاصة باليهود الإثيوبيين في أديس أبابا وبعض المدارس المتنقلة ، وكان لذلك تأثير على حركة التبشير بينهم(لتحويلهم إلى مسيحيين) والتي كانت على أشدّها حيث ضعف بسببه نشاطها. وقد أسّس فيتلوفتش جمعية للدفاع عنهم(.
وبعد وفاة فتلوفتش أخذ زعماء اليهود الإثيوبيين يراسلون اليهود طلباً للمساعدة، وتأسّست جمعية يهودية في أمريكا لغرض مساعدتهم. وعندما أنشثت الدولة العبرية طالبت هذه الجمعية بتهجيرهم إليها، لكن الحكومة الإثيوبية لم تكن راغبة بتهجيرهم إلى إسرائيل، وعندما طلب بعض اليهود الإثيوبيين مساعدة ديبلوماسي إسرائيلي في إثيوبيا، قال له هذا إنّي أقترح عليكم أن تتحولوا إلى المسيحية لحل مشكلتكم( ). وعندما زارهم إسرائيل يشيعياهو الذي كان رثيس الكنيست في الخمسينات، قال إنّ من الأفضل لليهود الإثيوبيين أن يتحولوا إلى المسيحية إذ أن الحكومة (الإثيوبية) ستكون سعيدة بهذا التحول، وسيستفيد اليهود الإثيوبيون من ذلك. وأيّده بعض المسؤولين الإسرائيليين في ذلك( ).
ولكن إسرائيل وافقت عام 1955م على قبول 12 شخصاً منهم تتراوح أعمارهم بين 11 – 17 سنة للتدريب فيها، وأعلنت الحكومة بأنّ ذلك ليس اعترافاً منها بهم. وعند وصولهم طالبت المؤسسة الدينية بأن يتحول هؤلاء إلى اليهودية الارثوذكسية، وقالت إنّ يهوديتهم مشكوك فيها. وأدى هؤلاء مراسم التهود إلى اليهودية الارثودكسية، ثم رجعوا إلى إثيوبيا بعد انتهاء تدريبهم( ).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى