لبنان في مسيرة “الأربعون ربيعا”… إنجازات ومعادلات ومواقف استثنائية

بقلم/شارل أبي نادر..
صحيح أن مسيرة “الأربعون ربيعا” من المقاومة والتحرير وحماية لبنان، حققت الكثير من الإنجازات الوطنية التي فرضت نفسها في كل مرحلة من مراحل هذه المسيرة، ولكن ما وصل اليه لبنان اليوم من تراكم لهذه الإنجازات بفضل قدرات المقاومة، لناحية الموقف او الموقع، يعتبر حالة استثنائية، تستحق وتفترض الاضاءة عليها، للتاريخ اولا، وثانيا لاعطاء مقاومي حزب الله، الشهداء منهم والاحياء، حقهم العادل في تحقيق هذه الإنجازات وفي تحقيق هذا الموقع الاستثنائي، حيث لبنان اليوم يفرض نفسه لاعبا اقليميا، وحتى دوليا، لا يمكن تجاوزه .
الانجاز الاول في مسيرة “الأربعون ربيعا”، والذي تحقق مباشرة بمجرد أن انطلقت منذ بداية نشأتها، هو إرساء ثقافة واستراتيجية “المقاومة”، رغم الإمكانيات المتواضعة التي قاربت الصفر تقريباً، ورغم الفارق الشاسع في القدرات مع العدو، والاهم ايضا فيما حققته هذه المسيرة في إطار “إرساء ثقافة واستراتيجية المقاومة” ، هو ان الجو العام حينها في المنطقة، بعد الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982، كان مشبعا بكثير من خيبات ونكسات وهزائم العرب في اغلب المواجهات التي خاضوها ضد “إسرائيل”، و”اتفاقيات السلام” التي حصلت بذهنية الاستسلام وبعقلية استحالة الانتصار على “اسرائيل”، وكان هذا الجو العام يعتبر ايضا أن قرار مواجهة الصهاينة، والمدعومين من نصف العالم تقريبا، هو ضرب من الجنون، وأن الانتصار عليها مستحيل، فجاء حزب الله في لبنان، ليجرؤ ويقرر بداية، وليقود ضدها وعلى رأس أكثر من مكوّن مقاوم حينها، مواجهة حساسة وغير متكافئة، ولينتصر عليها لاحقا.
مع الوقت، تصاعدت أعمال المقاومة ضد العدو، وبدأت الإنجازات الميدانية تفرض نفسها في المواجهات المباشرة وجها لوجه مع العدو، وفي العمليات القتالية ضده بمختلف انواعها، من كمائن او إغارات او احتلال مواقع ثابتة او تفجيرها، ومع تراكم هذه الإنجازات الميدانية، بدأت المقاومة مع الوقت، تشكل حيثية عسكرية بارزة، لها عقيدتها القتالية ذات الاسلوب المتميز وذات الخصوصية اللافتة، طبعا بالإضافة لعقيدتها الوطنية ولعقيدتها الايمانية، اللتين تشكلان نواة وأساس وحاجة كل خيار مقاوم.
هذه الخصوصية القتالية التي تميزت بها مناورة حزب الله في عملياته العسكرية، التي تطورت بعد امتلاك قدرة صاروخية معقولة، استطاعت ان تفرض نفسها وتحقق عبر هذه القدرات إنجازات نوعية ذات طابع وطني، أبعد من الميدان المحتل، وأبعد من نتائج الأعمال القتالية المحدودة، وبدأت تتشكل معادلات ذات طابع استراتيجي، نتجت بعد مواجهات عامي ١٩٩٣ و١٩٩٦ (تصفية الحساب وعناقيد الغضب)، ومنها اولا معادلة حماية المدنيين من خلال استهداف المستوطنات داخل الجليل المحتل، ومعادلة “خلق حيثية وحالة وحق المقاومة”، وفرضها على هذا المجتمع الداعم لـ”اسرائيل” حينها، ووضعت لبنان من خلالها في موقع متقدم في الصراع، بدأوا يحسبون له حسابا.
خلال هذه المرحلة الأخيرة، مرحلة حماية لبنان ما بعد العام ٢٠٠٠ والعمل على إكمال التحرير، والتي هي عمليا ما زالت مستمرة، ايضا حققت المقاومة الكثير من الإنجازات العسكرية والوطنية، وعلى رأسها الإنتصار على العدو في عدوان تموز عام ٢٠٠٦، بالإضافة لفرضها سلسلة طويلة من المعادلات الأمنية والعسكرية بمواجهة العدو، تصب جميعها في خانة حماية لبنان وحفظ سيادته واجوائه بنسبة كبيرة، مقارنة مع الفارق الدائم والثابت في القدرات والامكانيات العسكرية لصالح العدو.
هذه الإنجازات التي حققتها المقاومة خلال المراحل الاولى من مسيرتها الاربعينية، وخلال المرحلة الأخيرة ايضا، والتي ما زالت مستمرة ما دام التحرير الناجز غير مكتمل، تجاوزت نتائجُها ابعد من هذه الانجازات وحدها، لتشكل حالة غير تقليدية واسعة، وضعت لبنان اليوم في موقع استثنائي وغير منتظر او غير متوقع، وهذه الحالة يمكن توصيفها بالتالي:
فيما خص المعادلة التي ارساها سماحة الامين العام لحزب الله مؤخرا: “معادلة لا غاز لاحد في المنطقة اذا لبنان منع من استخراج حقه كاملا من الغاز”، تقوم هذه المعادلة بأساسها على قدرات الردع التي تمتلكها المقاومة، والتي تراكمت خلال مسيرة الاربعين ربيعا، ولولا هذه القدرات لما قبلت “اسرائيل” بالدخول في مفاوضات غير مباشرة، وكانت تجاوزت الموضوع على اساس ان لبنان قد حدد رسميا، وفي رسالة للامم المتحدة حدود مياهه الاقتصادية الخالصة بالخط 23، وعلى الاقل، لولا وجود معادلة الردع، كانت “اسرائيل” قد اطلقت اعمالها في منطقة كاريش وكامل جنوب الخط 23، وكانت تمسكت بـ”خط هوف” كخط متحرك تناور عبره.
ولكي يثبت لبنان حقه اكثر واكثر، كانت رسائل المسيرات الثلاث فوق كاريش، والتي ارادت منها المقاومة تحديد خطوط الاشتباك البحري اللاحقة، فيما لو تم تجاهل الحقوق والعروض اللبنانية، وفيما لو مضت “اسرائيل” في استخراج الغاز من كاريش، دون ان ينجح لبنان في استخراج غازه من مياهه الاقتصادية الخالصة.
من هنا، استطاع لبنان اليوم وبفضل قدرات المقاومة التي نمت وتطورت خلال مسيرة الاربعين عاما ان يلعب دورا رئيسيا كطرف اساسي من اطراف اشتباك اقليمي ودولي يقوم على محاولة الغرب ايجاد بديل للغاز الروسي من شرق المتوسط، والمناورة الروسية الأخيرة حول ضخ الغاز لاوروبا، ليكون لبنان وعبر قدرات المقاومة، لاعبا فاعلا فيهما، وليفرض على الجميع في الاقليم والعالم، اعترافا صريحا وعمليا بحقوقه في الغاز وفي استخراجه والاستفادة منه لحاجته الضرورية اليوم، وليصبح لبنان اليوم قادراً على ان يكون صاحب تأثير غير بسيط في توجيه المسارين نجاحا او فشلا.



