موقف الحكومة الملكية من أحداث تأميم قناة السويس سنة 1956

بعد تأميم قناة السويس في26تموز1956،دعت الأحزاب الوطنية في العراق إلى الإضراب العام يوم 16 آب للإعراب عن تأييد مصر،فأضربت بغداد ومناطق أخرى مثل الموصل والنجف والحي وأربيل والحلة والرمادي،وقامت الشرطة بالتصدي للمتظاهرين واعتقال أكثر من(20) مواطناً وأنزلت الأعلام العربية التي رفعها المتظاهرون وطوقت الشرطة السفارة المصرية لملاحقة الوفود التي قصدتها من المواطنين بقصد التأييد أو التطوع.
كان موقف وزير الداخلية وكذلك مدير الشرطة العام (وجيه يونس) متوافقاً بشأن رفض الأحكام العرفية في البلاد،خشية استغلال بعض السياسيين وتحريض الطلاب على الإضراب والاصطدام بالشرطة عندما يوكل لهم صد المتظاهرين،ويبدو أنَّ هذا الأمر أزعج رئيس الوزراء نوري السعيد الذي بادر إلى إحالة وجيه يونس إلى التقاعد في السنة نفسها واستبداله برجل عسكري يسير في منهجه وأسندت مديرية الشرطة العامة إلى اللواء الركن عباس علي غالب.
اهتمت وزارة الداخلية بالإضراب الذي حصل في بغداد،وطلبت متصرفية بغداد من الشرطة الحيلولة من دون نجاحه والعمل على إحباطه بزعم انه يُعرض السكينة والأمن إلى مخاطر الاعتداء والأجرام ويعطل المصالح العامة.فقامت الشرطة بفرض الحصار على مدينة بغداد في15آب لمنع مجيء المواطنين الآخرين إلى بغداد ونظمت الشرطة المفارز المختصة بمكافحة الإضرابات. لم تجد وزارة السعيد الثالثة عشرة من وسيلة لحفظ النظام والأمن إلا بإصدار مرسوم الطوارئ فأصدرته فـي 8/9/1956وخول هذا المرسوم وزارة الداخلية مراقبة الرسائل والصحف والمجلات والنشرات-التي تثير الرأي العام-ومنع الاجتماعات التي تخل بالأمن والسلام وسحب رخصة حيازة الأسلحة وحملها،وتفتيش الأشخاص والمباني أو وسائط النقل لضبط كافة المواد والنشريات الممنوعة
أدى نجاح إضراب 16 آب 1956،على تشجيع بقية فئات المجتمع العراقي للقيام بإضرابات أخرى،كان أوسعها الذي حدث في الموصل من تجار الأغنام في 28 آب بسبب فرض رسوم إضافية عل ذبح الأغنام،ثم تبعه إضراب القصابين في الأول من أيلول من السنة نفسها،فتوسع الإضراب في 3 أيلول ليشمل معظم أقضية ونواحي اللواء،ولتأزم الموقف وافقت بلدية اللواء على إلغاء الضريبة الجديدة وإعادة الرسوم إلى ما كانت عليه سابقاً.لكن وزارة الداخلية ومن خلال البيان الذي أذاعته مديرية التوجيه والإذاعة العامة في العاشر من أيلول،توجه أصابع الاتهام إلى بعض(( ذوي الميول الهدامة..، يعاونهم في ذلك بعض الأشخاص الذين اعتادوا على التهريب..)) .وهذه إشارة إلى أنَّ كل معارضة تتهم الشيوعية والأفكار الهدامة من الحكومة، وان الحادثة مدبرة وبتحريض من أناس نفعيين وليس بالضرورة أن تكون الرسوم في حقيقتها مرتفعةً وترهق كاهل المواطنين. ونلاحظ قيام وزير الداخلية سعيد قزاز بالانتقال بنفسه إلى الموصل لمتابعة الموضوع عن كثب. لكن الإضراب كان قد انتهى – بعد إن وافقت بلدية اللواء على إلغاء الضريبة الجديدة وإعادة الرسوم إلى ما كانت عليه سابقاً- قبيل وصول وزير الداخلية إلى الموصل،لكنه أمر باتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة للحيلولة من دون تكرار ذلك،وتمَّ إلقاء القبض على عدد من المشتبه بهم،وإبعاد البعض إلى سجن (نقرة السلمان) في البادية الجنوبية.
تجددت الإضرابات في أنحاء عديدة من العراق احتجاجاً على موقف الحكومة من العدوان الثلاثي على مصر ولاسيّما طلبة الكليات والمعاهد العليا والمدارس الثانوية، واصطدام المتظاهرين بالشرطة ووقع عدد من الجرحى.وتجاوزت الشرطة الحد عندما طُلب اليها تفريق المتظاهرين،وأُعلنت الأحكام العرفية في أنحاء البلاد كافة وتدخل الجيش لمساعدة وزارة الداخلية،وحدثت مصادمات بين الطلاب ورجال الأمن.
اهتمت وزارة الداخلية بالإضراب،وطلبت مديرية التحقيقات الجنائية من منتسبيها أخبارهـــا فوراً عن الحوانيت المغلقة والمفتوحة والقبض على المحرضين وتسليمهم للشرطة بحجة أنَّ الإضراب العام يعرض السكينة والأمن العام إلى مخاطر الاعتداءات والإجرام وقامت الشرطة بحملة قوية للقبض على العناصر الوطنية وتهديد أصحاب المحال بان كل من يضرب سيعرض محله إلى النهب ويقدم للمحاكمة.
ويبدو أنَّ أحداث وانعكاسات أزمة السويس 1956 على الوضع الداخلي في العراق والإضرابات والتظاهرات التي وقعت في مدن العراق المختلفة ضد العدوان الثلاثي على مصر قد جعلت وزارة الداخلية تغير وتعدل بعض إجراءات خطة أمن العاصمة، وخطط أمن الألوية،التي كانت قد وضعت سنة 1953،وعُدلت مرات عديدة آخرها في أيلول 1956 ، حيث صدر أمر من وزارة الداخلية بتشكيل لجنة تضم ممثلين من مديريات الشرطة العامة ووزارة الدفاع ومتصرفية بغداد وآمر القوة السيارة،ومدير شرطة بغداد، فاجتمعت عدة مرات واستندت في تنظيم الخطة لقانون التجمعات والقوانين الأخرى حينذاك، وتضمنت التعديلات الخطوات الواجب اتباعهــــا من ضباط الشرطة في تفريق المتظاهرين، وعلى أمراء القواطع أن يسلحوا أعضاء القوة التي يرسلونها لتقوية القوات التي تشترك مع المتظاهرين بأسلحتهم ماعدا الأحوال التي يقرر فيها المتصرف نوع السلاح الذي يجب أن تحمله تلك القوات،التي تقوم بدورها بتفريق المتظاهرين وبالوسائل والأسلحة التي تزودها الجهة الإدارية المسؤولة عن الأمن في وقته والأوامر التحريرية ماعدا الحالات المستعجلة التي يتطلب فيها إصدار الأوامر الفورية على ان تعزز فوراً بتأييد تحريري.




