«أمس اليوم» تستعيد فصولا من طفولة كاتبها

المراقب العراقي / متابعة …
رواية “أمس اليوم” وضاح شرارة صدرت عن دار نوفل في 245 صفحة- سنة 2022 وهي سيرة ذاتية تستعيد فصولا من طفولة كان علينا نحن، قرّاءها، أن نخمّن العمر الذي بلغه منها ذلك الطفل. سنعرف، مثلا في أي عمر كان حين راحا هو وأخته يعبثان بتلك المخلوقات الصغيرة، الزهرية الخفيفة الوبر، المتجمعة متراكبة بعضها فوق بعض مثل كومة. كان هو هناك على بعد ذراع منها، مقرفصا بما يفرضه انخفاض سقف التخيتة، وأخته مسندة رجليها إلى أعلى درجات السلّم لتلصق أعلى جسمها بأرضيتها. كانا، الأخت والأخ، يشتركان في لعبة العبث بتلك المخلوقات الصغيرة التي راحت كتلتها تنفرط، أو تنهار بسبب النغز الفضولي واللاهي، من لحظة ما سقط أحد مكوناته من أعلى الكتلة إلى الأسفل. تلك الفئران المولودة لتوّها صنع عبثُ الطفلين بها مشهدا فظيعا، وإن كان يصعب إدراك مكامن تلك الفظاعة فيه أو تعيينها. هو مشهد نمنمة ووحشية وعنف وتقزّز، وكل ذلك في الوقت نفسه. أما وضاح شرارة كاتبه فلم يذهب به إلى أبعد من وصفه، أو تأليفه مقّلبا إياه على وجوهه، بتلك الدقة المروّعة.
كتاب «أمس اليوم» يستعيد الماضي في مشاهد حرّة لا تتقيّد بما يفرض السياق الروائي عادة إلى التزام تسلسله. لا تعود الأخت بعد ظهورها الأول ذاك، على سبيل المثال، إلى الظهور في أي من صفحات الفصول اللاحقة، مثلما لا يعود الأب المذكور عن غيابه أعلاه. هي مشاهد من طفولة وليست سيرة حياة مترابطة ومتسلسلة. مشاهد متخصّصة بالجانب الأكثر سرية وغموضا في عمر ما قبل التشكّل. قطع من حياة تعيد إلى الذاكرة مشاهد فيلم «أماركورد» لفيلّيني. لكننا هنا، في «أمس اليوم» إزاء مشاهد مكتفية بذاتها، أو بقوّتها، ولا تسعى إلى أن تحيل إلى ظرف اجتماعي وتاريخي خارجها، على نحو ما فعله فيليني بردّ بعض مشاهد فيلمه إلى الحضور الطاغي للفاشية آنذاك.



