“ظهر السمكة”.. ضجرُ حميد قاسم من عزلة كورونا الكونية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد أحمد الزبيدي أن رواية “ظهر السمكة” تمثل ضجر كاتبها حميد قاسم من عزلة كورونا الكونية ، مبينا أن الكاتب تقمص شخصية بطل الرواية وهو جندي عراقي سابق .
وقال الزبيدي في قراءة خص بها ” المراقب العر اقي”:إن المدونة السردية لحميد قاسم ( ظهر السمكة ) هي من سوّغت النبش في الاختلافات التنظيرية؛ لأن السارد أعلنها _ صراحة _ أنا لا أعرف، ولا أريد أن أعرف، قوانين وأصول كتابة الرواية التي يختلف الناس عادة بشأنها ولا أريد أن أتعب نفسي بالبحث عن وصفاتها ومقاييسها … فلدي قناعة مفادها أن من يقدم الوصفات الجاهزة للرواية الناجحة وأساليبها غالبًا ما يكون كاتبًا فاشلا) .. ولا أظن أنه اعتراف بضعف الصنعة وجهل القوانين بقدر ما هي حيلة سردية تنتمي لما بعد الحداثة والميتا سرد ، الذي يقوم ( على وعي ذاتي مقصود بالكتابة الروائية يتمثل في الاشتغال على إنجاز عمل كتابي أو البحث عن مخطوطة أو مذكرات مفقودة . )
وأضاف: لم تكن المذكرات وحدها من صنّفت رواية حميد قاسم للميتا سرد وإنما حيلته السردية المعبرة عن انزياح مضاعف فيما يخص الجهل بالقوانين السردية، والخرق لعمود الكتابة الروائية الحديثة، ونزعة الانفلات من القيود والقوانين والأعراف، والتمركزات والعرفية في الكتابة الروائية؛ كلها مؤشرات أسلوبية على قدرة الروائي ووعيه في الكتابة المختلفة. وعليه فإن الصفحات الأولى من الرواية قد تغريك بأنها مقدمة لها وغير منتمية إلى سردها الأصلي، وقد يكون الروائي معنيًّا بذلك، ولكن كل ما هو بين دفتي الرواية يمنح القارئ شرعية أن يعدّه ضمن النسيج السردي للعمل حتى وإن لم يقصده .
وتابع: تنطلق فكرة الرواية من ضجر حميد قاسم من عزلة كورونا الكونية والتصميم على كتابة رواية مثيرة ولكن عمّن ؟ عن سيرة ( الأب ) أم أحمد راضي أم كورونا أم مشهد عمته في قطاع 42 يوم جيء بصديق طفولته ابنها ( علي ) بتابوت مغطى بالعلم العراقي ؟ وهذه التساؤلات المونولوجية أوقدت صراعًا ذاتيا داخليا خارج المتن السردي من جهة ومنتمية إليه من جهة أخرى.. صراع بين ( ترك الفكرة- الإصرار عليها ) ( كتابة رواية – عدم كتابتها ) حتى قادته الصدفة أن يعثر على دفتر مذكرات سليم غانم سلطان، فخطرت له فكرة مجنونة وبذيئة، وهي : ( أن ادّعي هذه الأوراق هي مذكراتي، روايتي الأولى التي طالما فكرت في كتابتها لاسيما أن الحادثة بلا شهود يمكن لهم أن يفضحوا سوأتك وفعلتك الدنيئة هذه .. هكذا قلت لنفسي : لقد قتل سليم ومات كل من معه باستثنائي أنا فلم الخوف وممن ؟ ) ومن هذه اللحظة يغيب حضور الكاتب والزمن ( الآني ) فالدفتر وفكرة المذكرات والاحتيال المجنون شكل استرجاعا سرديا وانطلاقا روائيا وإعلانا عن لحظة بدء الرواية على وفق حركة الحدث، وتسلسله التراتبي القائم على منطقية الزمن بما يتماشى مع منطق أسلوب المذكرات وتسلسلها الأفقي القائم على التعاقبية المنطقية.
وواصل : وعلى الرغم من الإشهار السردي حول فكرة الحركة السردية إلا أن عنصري : الحدث والشخصية يدلان على تمثل شخصية الرواية الرئيسة لشخصية الكاتب، بمعنى أن بطل الرواية ( سليم غانم ) هو نفسه ( حميد قاسم ) فالمشهد بالحزن والوجع ، ماقبل بدء حركة الحدث للرواية وهو مشهد المجيء بصديق الطفولة وابن العمة صبرية ملفوفا بالعلم العراقي والوصف الهائل لمشهد العمة وهي تناجي ولدها المعفر بالدم والتراب.
وأشار الى إن ثيمة المذكرات عن القتيل بالحرب تمنح النص توازنا سرديا بين حقيقة الحدث التأريخي ( العمة صبرية ) والحدث السردي التخيلي ( مذكرات سليم القتيل ) وأعني بالتوازن السردي العلاقة الرابطة ذات التفاعل والتشابه بين الحدثين .. ومن هنا فقد تفاعلات مكونات السرد الأخرى لتحقق هذه التوازنية والتشابهية . وخلال فاعلية الحدث وحركة الشخصية وكأنها ( قناع ) لشخصية الكاتب عبر التوصيفات السايكولوجية والثقافية والفكرية.
وأوضح:يسرد الراوي المشارك مشاهد من حياته، التي تطحن بين رحى ( الحرب ) مشاهد تجسد حياة الجندي العراقي المهددة بالموت بأقرب فرصة ممكنة وقلق العائلة وبطش السلطة الدكتاتورية وزفير الجندي من أكذوبة بطل التحرير وفارس الأمة العربية ولأنها مذكرات جندي لذلك يبدأ الحدث من ظرفية زمكانية عسكرية إنها الراقم ( 684) وينتهي بالزمكانية نفسها، ولكن بمغايرة سردية كبيرة عبر رمزيات: ميثيولوجية وفكرية وثقافية، منحت النص تحولا دلاليا خطيرا .
و لم يهتم الروائي في الكشف عن طبيعة الشخصية الرئيسة لمسوغات سردية، منها : أن الراوي ( مؤتمن ) على نقل المذكرات وما تضمنته وليس من المعقول أن يصف كاتب الذكريات شخصيته وبخاصة أنه قد تقمصها ، وكذلك لأنه ترك مشاهد الحدث وتقنية الحوار هي من تتكفل بالكشف عن ملامح الشخصية؛ والسبب الآخر لأنه مهتم في الكشف عن ملامحها الداخلية كونها ( شخصية مثقفة ) فهي اغترابية في فضاء الحرب ومتصالحة مع الشخصيات المثقفة ( الأصدقاء ) الذين يلتقيهم أيام الإجازة .



