ثقافية

بؤس الطفولة في مجموعة «البيدر» القصصية

 

موسى إبراهيم أبو رياش..

الكتابة الإبداعية عن الطفولة، انحياز للبراءة والنقاء والطهارة والفطرة والعفوية والبساطة والانطلاق والتسامح والحب بلا حدود، وعالم بلا طفولة عالم ميت لا روح فيه، وعندما يكتب القاص عما يعانيه الأطفال من جوع وبرد وحرمان، ويتم وخوف، فهو صرخة في وجه الظلم، وغياب الضمير، وتحجر القلوب، وارتكاسة الإنسانية وتخليها عن أهم مقوماتها، وأنها في غيابات التيه والضياع والخلل والاضطراب.

وأمة تفتقر إلى روح الطفولة في مجموعها، أمة جامدة مترهلة، تتجه إلى الانحدار والذبول؛ إذ الطفولة لا تقتصر على عمر دون عمر، بل هي روح قد تسكن المسنين، كما قد تسكن الشيخوخة الأطفال!

تتضمن المجموعة الأخيرة «البيدر» للقاص الأردني عيسى حداد مئة وثلاث قصص قصيرة جدا، منها خمس وعشرون متعلقة بالطفولة وعالمها ومعاناتها، وهذا تأكيد على اهتمام الكاتب بالأطفال، في بلدان يعانون فيها من الويلات والفقر والجوع واليتم والاضطهاد.

تصافحنا الطفولة منذ السطر الأول من المجموعة، إذ يهدي الكاتب مجموعته إلى الطفولة، إلى حفيده: «أهدي هذه المجموعة إلى حفيدي أويس الغالي..»، ثم تتوالى القصص المتعلقة بالطفولة منبثة من بداية المجموعة إلى نهايتها؛ ليذكرنا بها هنا وهناك، مسلطًا الضوء على مشكلات الأطفال وقضاياهم ومعاناتهم، ويلاحظ أن معظم صور الطفولة في المجموعة صور حزينة، قاتمة، بائسة، تأكيدا لواقع لا يمكن تجاهله أو القفز عليه.

فقد الأب أو الأم أو كليهما جرح لا يندمل، وشعور بالنقص والحرمان لا يزول، لم تهنأ الفتاة في قصة «يتم» بصحبة الرجل الذي تبناها بعد سنوات طوال في الميتم، وقد عاهدته على الطاعة والولاء والبر، فقد توفي بعد أيام من فرحتها، وعادت يتيمة من جديد. وفي قصة «عتمة»، ينقطع التيار الكهربائي، فيضج اليتيم بالبكاء خوفا، فيسارع زميله في الميتم بمسك يده، فيكف عن البكاء، بينما تتحقق المعجزة في قصة «معجزة»، فيدر حليب العجوز بعد أن ألقمت ثديها لليتيم الرضيع لتكسب سكوته. نلاحظ في القصص الثلاث معاناة الأيتام، ولكنهم وجدوا من يساندهم، فلم يتركوا وحدهم، وهكذا كل مصيبة تهون بالتشارك والتعاطف والدعم، فالمشاعر الإنسانية دفء يذيب جليد القلوب وصقيع الأرواح.

مفارقات الحياة قاسية، وتحقق الأحلام قد يتحول إلى كوابيس؛ فالأطفال الذين يحلمون بغرفة مستقلة لكل منهم في قصة «غرفة منفردة»، لا يأملون أن تتحقق كأخيهم الذي حصل على غرفته وحيدا في المستشفى بسبب مرضه العضال. والطفل المقعد في قصة «عطش»، يراقب الأطفال بحسرة وهم يركضون في سباق الضاحية، ويتمنى أن لو استطاع أن يشاركهم ويعطش كما يعطشون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى