“في عالم الذر” توظيف ثقافة الشاعرالدينية داخل النص الشعري

المراقب العراقي /المحرر الثقافي …
يرى الناقد الأكاديمي محمد المياحي أن الشاعر علاء المسعودي استطاع توظيف ثقافته الدينية في قصـــــيدة ” فــــي عالم الذر ” وهي اللوح الأول مــــن ديـــــــوان الألواح ومنها لفظة ” عالم الذر”
وقال المياحي في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي”: يُعد الحديث عن الثيمة الدلالية للعنوان في النص الأدبي بحثاً في كنه دلالة النص؛ بوصف العنوان يمتلك وظيفة ( النص الموازي ) أو وظيفة ( العتبة النصية ) , ومن جانب آخر ( يكتنز العنوان الدلالة ويمارس فاعلية الإغراء والإغواء معا) فضلا عن ذلك لا يمكن فك مفهوم ( الشّعرية ) عن العنونة؛ وعليه لا بد من التوضيح بأن ( الشّعرية ) هنا لا ترتبط بشعرية النص فقط , بل هو الانحراف عن المعيارية والمعجمية الى الجمالية الفنية؛ لذلك ( إن موضوع الشعرية هو قبل كل شيء الإجابة عن السؤال التالي: ما الذي يجعل من رسالة لفظية أثرا فنيا ؟ ) (2) – قطعا – الاختيار الجمالي للألفاظ وتواشجها مع الفكرة المطروحة؛ من هنا انتخاب العنوان من قبل صانع القصيدة مهارة إبداعية تكشف عن احترافية المبدع وذائقته , فضلا عن ثقافته .
وأضاف :أنه بناءً على ما طُرح جاءت الدراسة لتقف على عنوان قصيدة ( في عالم الذر ) للشاعر العراقي القدير ( علاء المسعودي )و لو تأملنا العنوان لوجدناه خبراً لمبتدأ محذوف , فضلا عن وجود ظاهرة الإضافة ( عالم الذر ) , وهنا لابد من الإشارة ان دلالة شبه الجملة لا تستطيع الإتيان بالمعنى الكامل؛ لذلك من الممكن عده معنى فرعيا.
وتابع: (في) اللفظة الأولى في العنوان قد وردت ( للظرفية ) وتأسيسا على هذا , يرد السؤال: هل أراد المسعودي معنى الظرفية المكانية أم الظرفية الزمانية بدلالة حرف الجر( في ) , وما الغاية المتوخاة من هذا التوظيف الظرفي ؟ بمعنى آخر هل يمكننا تأويل المحذوف فنقول ( مكان ) أم ( زمان ) ؟
لو تمعنا في النص لوجدنا دلالة الزمان هي الأقرب للتأويل؛ والسبب ( النصية المتوازية ) , بمعنى دلالة النص برمته يقابل العنوان ,
يقول في مقطع:
من طينها الحري
من عدم (3)
ويقول في مقطع:
نافخا فيها مع الأرواح أشباحا
وفي بيت آخر:
أنا منذ أطلعت مع الجني
إنسيا
وفي نص:
فبنات نعشك في انتظارك
كي تسوقك في فضاء
ويقول:
كن حذرا
فعزرائيل مذ كونت
يرقب فيك لحظة انكسارك
وأشار الى إن هذه النصوص وغيرها تحيلنا الى دلالة البناء الزمني , وهنا لابد من التوضيح ان البنية الزمنية التي أرادها العنوان هي ذاتها التي ما مثلتها العديد من النصوص وهو ( زمن افتراضي ) مجازي متخيل فمثلا: ( تماسك الأعواد و وعملية النفخ و الطلوع و السوق في الفضاء …الخ ) , أحداث في زمن متخيل يوحي بعوالم تحاكي عالم الذر , لأن عالم الذر عالم المواثيق والعهود الايجابية؛ من هنا حاول الشاعر المسعودي ان يصدم المتلقي منذ بداية القصيدة ( العنوان )؛ بأن يكون الإنسان واعيا لحقيقته وسر وجوده في هذه الحياة , لذا يقول:
كن حذرا
فإسرافيل قبلك
قد توعد فيك قابيل المكابر
صنو هابيل المقهقر
وفي مقطع:
كن حذرا
فميكال الموكل
سوف ينفخ ريحه الرعناء
وأوضح أن زمن عالم الذر هو الأداة التي اتكأ عليها الشاعر بوصفها وسيلة تنبيه لأبناء جلدته في عالم معاش يشوبه التعقيد واللامبالاة وعدم النظر لسبب خلق الإنسان في هذه الدنيا.
وبين: أن ثقافة المسعودي الدينية كانت الحافز في توظيف مرجعياته النصية ومنها لفظة ( عالم الذر ) , من هنا حاول الشاعر طرح ثيمة التحدي ولولوج سبيل الحق , يقول:
مد غصنا للسماء
يطول نجما…
فكن
أو لا تكن
ويقول:
لا محالة سوف يصعد فيك عليين.
وأكمل : زد على ذلك هنالك تواشج بين العنوان دلالياً مع إشارات في النص , وهي مرجعيات ورموز دينية أمثال توظيف ( عليين , اسرافيل , قابيل , ميكائيل عزرائيل , الأرواح , برزخا ) , وهذا التعالق يحيلنا الى جملة من النتائج وهي إن الفكرة التي حاول الشاعر ان يوصلها للمتلقي معتمدة أساسا على الطابع الديني فضلا عن محاولة المسعودي ومن خلال الرمز الديني المباشر وغير المباشر ابتدأ من العنوان الى جزئيات النص لإثبات هويته ذات التشكل الديني وشحن العنوان وبعض ألفاظ النص بالإشارات الدينية؛ بوصفها تمثل ركنا من أركان الثقافة الجمعية لأغلب المجتمع .
وختم: يمكن عدُّ هذا النص نصاً كتب بحرفية , لاسيما انتخاب العنوان ذي الكثافة الدلالية , والذي يحفز متلقي القصيدة ومن الوهلة الأولى للتأويل .



