لوحات التشكيلية شذا مطر… روح بلون خضرة الفردوس

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد رياض إبراهيم أن قوة اللون في لوحات التشكيلية شذا مطر تكمن في التعبير ودلالاته وأثره في حواس ومشاعر المتلقي، فاللون الأخضر في لوحة (الأشجار ألوان القداسة) هي ثمة فراديس تخلقها مخيلتها تارة، أو مشاهداتها الواقعية، لاستدعاء السكينة والهدوء، بغية الانطلاق نحو الحياة وصخبها وخصبها، إنها روح بلون خضرة الفردوس التي تحاول التعبير عنها في بريق ألوانها.
وقال ابراهيم في قراءة نقدية خص به ” المراقب العراقفي”: لا شك في أن قوة اللون تكمن في التعبير ودلالاته وأثره في حواس ومشاعر المتلقي، فاللون الأخضر في لوحة شذا مطر (الأشجار ألوان القداسة) هي ثمة فراديس تخلقها مخيلتها تارة، أو مشاهداتها الواقعية، لاستدعاء السكينة والهدوء، بغية الانطلاق نحو الحياة وصخبها وخصبها، إنها روح بلون خضرة الفردوس التي تحاول التعبير عنها في بريق ألوانها وشدته وكثافته (Luster and color intensity) على السطح وتكراره في خطوط منحنية راقصة، فتعد بمثابة تمثيل لحالة الرقص والتحليق والصفاء الروحي وتجليه والاندماج مع الشكلي للأجساد، فهي دلالات انسانية لتذويت (subjugation) الآخر في خلق أجواء التعايش، وهي إحالات نفسية لصمت الطبيعة (the silence of nature) ومحاكاتها وتفجير وتثوير مكامنها وروحها، لتبدو أكثر إشراقا وعمقا ووهجا جماليا ومعرفيا وروحيا. وأضاف : إن الشكل الهرمي العمودي المنحني للأشجار والتدرجات القيمية للون، بين بريقه وعتمته، أو وضوحه يشكل سلما هرمونيا إيقاعيا (rhythmic hormonal) راقصا يلامس حالة الشغف الروحي للفنان، وانعكاسه على نفسية وذهنية المشاهد. لعل الفنانة بحدسها وأدواتها تحاول أن تجرَّ المتلقي لعالمها الفسيح الرمزي الميثولوجي، واستدعاءه لمناطقها وذاتها ولحظتها المتوهجة بالفيض الروحي الجمالي لخلق تناغم وانسجام بين هاتين الذاتين الأنا والآخر.
وتابع: ويعد التكثيف اللوني هنا في لوحة أو في لوحة (الغابة) وغيرها، تنحو إلى ذات النسق الشكلي اللوني والصوري، فتلاحظ شدة الضربات الانفعالية للفرشاة بخطوط عمودية طولية، وتكرارها بتلقائية غير متكلفة ومتصنعة، فإنما تشير وتدل على حالة الغياب المؤقت وحالة اللاوعي في لحظة الإنجاز والتصوير، لترك فضاء متسع غير منغلق لرحابة الخيال، والعوم في الأفق الروحي والفني في آن واحد، فدلالة الأشجار في لوحاتها بقوامها وشموخها وتكوراتها وانحناءاتها، هي علامات سيميائية دالة على جسد وإن تعدد وتمثل في أشكاله وألوانه وماهيته التعبيرية، لكنه يبقى جسدا واحدا في طقوسه ولحظته الآنية الدالة، بمعنى أن الطبيعة والوجود وإن اختلفت وتعددت فهما،رمز ميثولوجي أو أسطوري، بكل عنفوانها وكبريائها وسحرها الأنثوي الجمالي الإنساني، الملازم لتصورات وأحلام وأماني الآخر.
وواصل :وهنا يمكن القول إن الوجود، كما تحاول تصويره الفنانة، يختزل بأنثى وعوالمها وطقوسها وكينونتها، فما هذه الأرض الواسعة والطبيعة والكون المجرد إلا نقطة، مركز إشعاعها يكمن في عطر امرأة وابتسامتها ورقتها وتخليقها لكل ما هو جميل ومبدع وخلاق، وهذا الكون ليس أحاديا كما يصوره أو ما يعتقد البعض، بل هو من صنع الآلهة الأنثى (female deities) بكل عنفوانها وصنائعها ووجودها وإشراقتها الدينامية الحركية، أو الدينامية الشعورية الوجدانية وحذقها وفهمها واحتوائها وجلدها وتحملها لكل ما يقع على كاهلها.
واشار الى أن إحاطة الأجسام بهالات ضوئية في لوحات «الغابة ألوان القداسة» وكذلك لوحة «البستان» وأيضا «لوحات من الطبيعة وتجدد الفصول»، ينم عن انبعاث وهج روحي من عمق العتمة، وبعض البقع السود التي تركتها هنا بين الأشكال المجسمة هي ذات دلالات وإيحاءات عن حالة الانسداد والتشابك الشكلي، بين مكونات الغابة وعتمتها والغموض والخوف الذي يتركه في نفس مشاهديها من النظرة الأولى، وحالة التماس الأولية التي تعد صدمة ودهشة (shock and amazement) في الوقت ذاته، وهو الغوص في أحادية الوجود وكنهه وقلقه، وكما يعبر عنه أفلاطون حين قال: (الواحد الأول في كل مكان وهو مع ذلك لا في مكان)، أو ما يشير إليه بن عربي، الذي لا يتفق مع أفلوطين بقوله: (فكل أمر وكل موجود فهو دائرة تعود إلى ما كان منه بدؤها)، لكن الغوص في الشكل وأسراره يترك هالة قدسية تثير حالة الفضول والدهشة، للخوض في مغامرة البحث والكشف في متاهات كثافة غموض الطبيعة وفك أسرار جمالياتها، بحدس وتصور وخبرات الفنان وحرفيته بالتصوير والتجسيد والأخيلة.
وأوضح أن هذا ما نلمسه بشكل جلي في فلسفتها الموظفة ولوحاتها «خطوط» «أبيض وأسود» و»توقف الزمن» و»القلعة الصامدة»، «تسهم خطوط المواضيع في كل من المزاج والمنظور الخطي، ما يعطي المشاهد وهم العمق. تنقل الخطوط المائلة شعوراً بالحركة والخطوط الزاويّة تنقل عموما إحساسا بالديناميكية وربما بالتوتر».
وبين : أن تكويناتها تتصف بترك الفضاء التصويري، لينسجم مع الشكل واللون، وحسب الحالة والإشارة، التي تحاول أن تعطي محمولا فنيا ومعرفيا في الوقت ذاته للنص، ليتلاءم مع تصوراتها للخلق البصري، والثيمة التي تقاربها بوحدة ترابط شكلي تعبيري فكري إيقاعي.
وختم: أن ألوان شذا مطر تتصف بكونها شديدة البريق والحرارة والكثافة، فهنا تستند إلى فلسفتها اللونية بالتوظيف والتعبير عن علاماتها وثيمها، وشدّ المشاهد لمقولاتها الشكلية التعبيرية، ودرجة ومستوى الانفعالية في لحظة التكوين والخلق فلا يمكن فصل التشكيل عن الحالة النفسية للفنانة، فتراه حاضرا وشاخصا في جل أعمالها، فإنما يعبر عن حالة القلق والأفعال، اللذين يكتنفان نفسية وروحية وفكر الفنانة في لحظة التجسيد، والإدراك الحسي والمعنوي الذي تعيشه.



