ظلال الأزمة في أوكرانيا على الأجواء العراقية

بقلم/عادل الجبوري..
من الطبيعي جداً أن تسبب أزمة خطرة تصل إلى درجة الحرب العسكرية الطاحنة والمدمرة، كتلك الحاصلة حالياً بين روسيا وأوكرانيا، اهتزازات وتصدعات سياسية وأمنية واقتصادية كبرى على الصعيد العالمي، بحيث إن تأثيراتها وإسقاطاتها وتداعياتها لا تقتصر على رقعة جغرافية معينة مجاورة وقريبة لميدان الصراع والمواجهة العسكرية المسلحة فحسب.
إنَّ تداخل المصالح وتشابكها في عالم اليوم بين دول وكيانات ومجتمعات تفصل بين بعضها البعض بحار ومحيطات وقارات، جعل أي أزمة تحدث في هذا البلد أو ذاك تنعكس سريعاً على البلدان الأخرى القريبة والبعيدة على السواء، مع تفاوت في مستويات التأثر والتأثير ارتباطاً بدرجة المصالح وطبيعتها وعناوينها وأحجامها.
إنّ الأزمة التي تسببت خلال الأيام الأولى لاندلاعها بدمار هائل في البنى التحتية والمنشآت والمراكز الحيوية العسكرية الأوكرانية، بفعل القدرات والإمكانيات العسكرية الروسية الهائلة من حيث العدد والعدة والتقنية، ألقت ظلالاً ثقيلة على المشهد الروسي العام، من خلال جملة إجراءات عقابية اقتصادية وحملات مقاطعة راحت تتسع يوماً بعد يوم، لتبدأ من الاقتصاد وتمتدّ إلى الرياضة والثقافة والسياحة والتعليم.
يخطئ كثيراً من يعتقد أن روسيا لم ولن تتأثر، انطلاقاً من كونها قوة عالمية عظمى تمتلك إمكانيات وقدرات وموارد هائلة، إلى جانب حضور فاعل ومؤثر في عموم الساحة الدولية. وفي الوقت ذاته، يخطئ كثيراً من يعتقد أنّ كل ذلك التحشيد العالمي ضد روسيا سيرغمها على الخضوع والاستسلام أو سيفضي إلى هزيمتها وانهيارها، لأن الحقائق والمعادلات القائمة بأبعادها الاقتصادية والأمنية والسياسية والعسكرية لم تعد تتوافق مع نظرية وجود منتصر يقابله مهزوم منكسر في كلّ المعارك والحروب العسكرية غير العسكرية، مهما كانت قوة الطرف الذي يخوضها ويتورط بها وقدرته.
لا شكَّ في أنَّ موقع روسيا ومكانتها وحجمها وحضورها لا يقارن في أيّ حال من الأحوال بموقع العراق ومكانته وحجمه وحضوره، سواء في السابق أو الحاضر، فبينما تؤثر روسيا أكثر مما تتأثر، فإن العراق يتأثر أكثر مما يؤثر. ليس هذا فحسب، بل إنّ تأثره ربما يكون سريعاً وملحوظاً بدرجة أكبر من أغلب الأطراف المعنية.
اقتصادياً، وبحسب المؤشرات والمعطيات الأولية، فإنَّ ارتدادات العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا وصلت إلى العراق بعد وقت قصير جداً. وفي هذا الشأن، تنقل غرفة تجارة محافظة السليمانية عن رجال أعمال عراقيين كرد تأكيدهم “توقف عملهم مع أوكرانيا تماماً بسبب إعلان حالة الطوارئ فيها لمدة 30 يوماً، فضلاً عن توقف جميع المصانع والمنتجين، ما سيسبب ضرراً كبيراً لرجال الأعمال“.
وتشمل الأعمال التجارية بين العراق وأوكرانيا استيراد المواد الغذائية المختلفة والفحم وقطع غيار السيارات ومساحيق التنظيف والمواد الكيمياوية. ووفق المصادر الرسمية، يحتل العراق المرتبة السادسة من بين أكثر 15 بلداً له تعاملات تجارية مع أوكرانيا، ويبلغ حجم المبادلات التجارية بين الطرفين حوالى مليار دولار أميركي سنوياً.
ويشير الأكاديمي والخبير الاقتصادي عبد الرحمن الجبوري إلى أنَّ أي حرب تحدث في العالم تؤثر في بقية البلدان. وبما أن العراق يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، فإنه سيتأثر بكل تأكيد، وهو يرتبط بأوكرانيا من خلال تعاملات واسعة وكبيرة في مجالات عدة، منها الغذاء والحديد والصلب، علماً أنه أجرى مباحثات مع أوكرانيا في أوقات سابقة لتنشيط التجارة معها، إذ افتتحت الحكومة الأوكرانية العام الماضي غرفة تجارة خاصة بها في إقليم كردستان شمال البلاد من أجل تفعيل العلاقات والروابط الاقتصادية بين بغداد وكييف.
وتذهب بعض الأوساط السياسية والمالية إلى أن العراق سينتفع كثيراً من الحرب الروسية الأوكرانية، لتسبّبها بارتفاع كبير في أسعار النفط، ما سيتيح له الحصول على عوائد مالية أكبر. وفي هذا الشأن، يشير الخبير الاستراتيجي عدنان الكناني إلى “أن العراق هو المستفيد الأول من الحرب الروسية والأوكرانية، وربما إيران أيضاً، على اعتبار أن الولايات المتحدة لا تريد أن تفتح جبهتين في آن واحد”، معتبراً “أن اندلاع الحرب الحالية سيساهم في تخفيف القرارات والضغوطات الأميركية على القرار العراقي، فضلاً عن تأثيرها الكبير في الاقتصاد، إذ إنها ستؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي زيادة واردات العراق منه“.
أكثر من ذلك، هناك من يذهب إلى القول: “قد لا تكون تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية مباشرة على العراق، إلا أنَّ ارتباط النظام الاقتصادي العالمي مع بعضه البعض يجعل من الصعوبة بمكان أن تكون أي دولة بمنأى عما يحدث“.
وما يزيد المشهد غموضاً وضبابيةً في العراق، هو غياب موقف موحد حيال الأزمة في أوكرانيا، وظهور مواقف مختلفة ومتباينة إلى حد كبير للقوى السياسية العراقية. هذه المواقف انطلقت في إطارها العام الشامل من طبيعة توجهات كل كيان سياسي وارتباطاته وامتداداته الإقليمية والدولية، وهو ما يفسر رفع البعض صور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بعض الأماكن في العاصمة بغداد ومدن أخرى، في مقابل قيام البعض الآخر بتوجيه انتقادات حادة ولاذعة إلى مثل تلك الخطوات، مع قيام بعض الجماعات هنا وهناك بتنظيم تظاهرات احتجاجية مؤيدة وداعمة لأوكرانيا ومنددة بروسيا.
قد تكون الاستقطابات الحادة في الفضاء السياسي العراقي حيال الأزمة في أوكرانيا عاملاً آخر لإحداث المزيد من التأزم والتشظي والتفكك، وخصوصاً مع وجود ضغوطات خارجية من الولايات المتحدة الأميركية وأطراف دولية وإقليمية أخرى على بعض الأطراف القريبة منها لتبني مواقف محددة من الأزمة.
ولعل التصريحات الأخيرة للسفير الروسي في بغداد البروس كوتراشيف، التي أشار فيها بشكل أو بآخر إلى أنَّ بلاده تقف على مسافة واحدة من جميع القوى والشخصيات السياسية العراقية، وأن علاقاتها طيبة مع الجميع، أُريد من ورائها إطلاق رسائل إيجابية تطمينية، ومحاولة الحدّ من تبلور مواقف مضادة لموسكو، لكن في ظلّ واقع سياسي صعب ومعقد وشائك مثل الواقع العراقي، ربما لا يكون يسيراً ومتاحاً الوصول إلى نقاط التقاء تجمع أكبر عدد من الفرقاء حول أي قضية من القضايا.
وبما أن حقائق ووقائع الاقتصاد متداخلة ومتشابكة مع حقائق ووقائع السياسة، وبما أن الحرب الروسية الأوكرانية خلطت كلّ الأوراق، فمن الطبيعي جداً أن تتصاعد التداعيات وتتفاقم الانعكاسات على شتى مظاهر الاقتصاد والسياسة في العراق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بقدر استمرار الحرب وتصاعد وتائرها واتساع ميادينها.



