ثقافية

«تمبانين» .. حوارية التأريخ وذاكرة الصحراء

 

رياض خليف..

تتحول تمبانين في هذه الرواية من فضاء تاريخي، يعتبر «في ذاكرة أهل تخوم الصحراء مكانا عميقا ومهيبا وصعبا، ودونه مياه أو جن ومفاوز مجاهيل مهلكة، قبل أن يصبح مزارا سياحيا ومنتجعا فاتنا» على حد تعبير بلقاسم بن جابر، في تقديمه، إلى فضاء روائي ورقي، لا يبدو فيه التاريخ غير أصداء وبقايا. فالروائي يتمرد على التاريخي المرجعي، ويكتبه وفق أسلوبه الجمالي، متجاوزا خطابات المؤرخين ومناهجهم وقيودهم.

إن الروائي نصر بالحاج بالطيب الذي باتت كتاباته السردية تعتبر نموذجا لكتابة الجنوب والصحراء في الأدب التونسي، يكتب عن مدينة ملفوفة بالصحراء والتاريخ والأنثروبولوجيا، منتصبة في ذلك المكان القصي، اختلق لها كيانها وعوالمها وأطلالها وبقايا أتربتها ورمادها، وأعاد تشييدها ذهنيا وورقيا، برياحها وأفقها البعيد، وإبلها وحواشيها وقيمها وزواياها، وتقاليدها ومواسمها وثعابينها وجانها والشخصيات النابعة في مخيالها، حافرا في ثنايا ذاكرتها، باثا بين ثناياها نسيما حضاريا عتيقا، نابعا من الأرض والطبيعة، رغم تاريخ الدم والجوع والسبي والاستعمار والغدر الذي ترويه الرواية. فنصر بالحاج بالطيب يجترح من الصحراء جمالا ومتعة، تجعل مطالعة روايته رحلة عميقة في أعماقها، فها هنا ترغى الجمال وترتع وتدوي أصوات أهل الصحراء وهم يرددون أهازيجهم الشعبية، بلهجتهم المحلية الجميلة..

فمن هذه البيئة الصحراوية طبيعة وثقافة، هناك في جهة دوز العريقة وأحوازها، انطلق السرد موحيا بتلك الرغبة في التصدي للنسيان، واستعادة الأمس وفتح صفحاته الغابرة. فإذا الرواية تحكي تاريخا طويلا وممتدا، يعود إلى زمن حروب الطوارق، ويصل إلى أزمنة الاستعمار الفرنسي وما فيها من خضوع وعنف ومقاومة، مقدمة مادة تاريخية متداخلة ومتفرقة ومتحررة من المرجعي، تلتقط ملامحه ولا تلتزم بتفاصيله. فثمة غزو وعنف وكر وفر واعتداء ومناضلون ووشاة، لكن ليس هناك تفصيل مرجعي لما جرى. فشخصيات هذا التاريخ مختلقة وسيرها وأفعالها وأقوالها كذلك، ولعل هذا يجسد مقولة الكاتب التي افتتح بها روايته: «إن أشد الآفات فتكا الريح والطاعون والقحط والنسيان. تتالت غزوات ريح الحسوم أياما وليالي تثير الرمال لوالب وتطمس الآثار وذكرى الأسلاف ورفات الأمس. لم يبق للبدو إلا الرسوم الدارسة. أما تراثهم ورحيقهم فمحمولان في صدورهم على ظهور الشعر في جراب الحكي، وفي كف رماد المواقع المنسية». ولعل هذه القولة تصل مقولة كتابة التاريخ روائيا بالتطريس الذي طرحه جينيت. فليس التاريخ في الرواية غير نص جديد مشتق من النص الأصلي الضائع والمشتت الذي شمله المحو والنسيان. ولم تبق منه غير أصداء، بل ورسوم دارسة على حد تعبير بالحاج بالطيب في مقولته. وهو خاضع لإضافات الرواة والمؤرخين. فهذا التاريخ الذي يذكره السارد ليس تاريخا مرجعيا. وهذا ما يلح الروائي على إبرازه، فالإحداث قد تكون جرت لكنها لم تجر بتلك التفاصيل الدقيقة أو لم تجر إطلاقا. فليس هذا الراوي الذي اصطنعه الروائي مؤرخا صادقا، لكنه سارد وهمي يقول الوهم بدوره. لم تكن نهاية الرواية غير فضح له ولكذبه وتاريخه الذي يرويه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى