خارطة السلام في اليمن وفق مشاريع التقسيم

بقم/محمد محمد السادة…
رافق ما يُسمى “الربيع العربي”، وهو إحدى مراحل مشروع تقسيم المنطقة، ظهور مفهوم التجزئة داخل الحدود، إذ تبنّت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية توجُهاً رسمياً يُكرس استحالة قيام حكومات مركزية قوية في دول كاليمن وسوريا والعراق وليبيا، ودعت إلى تأسيس كيانات فيدرالية وإعادة فرز القوى المجتمعية وفق معادلة تجزئة تأتي في إطار السياق الداخلي لتلك الدول، فيما تدور مشاريع التقسيم في إطار السياق الخارجي.
في اليمن، مارست النخب السياسية الحاكمة دوراً لإيجاد طبقة ثقافية وسياسية ترى في اتباع النموذج الغربي طريقاً للخروج من أزمات اليمن، بعيداً عن الطبيعة الثقافية والحضارية الذاتية للمجتمع اليمني، فكان مشروع تقسيم اليمن إلى أقاليم ماضياً على قدمٍ وساق، لولا قيام ثورة 21 أيلول/سبتمبر 2014، التي وجدت فيها الولايات المتحدة ووكلاؤها في المنطقة فرصة سانحة لتسريع وتيرة التقسيم، إذ راهن مهندسو مشروع التقسيم على أن تحالف العدوان على اليمن بقيادة الجارة السعودية يوفر ضماناً لطموحاتهم غير المشروعة في تقسيم اليمن.
ولكن صنعاء أسقطت تلك الرهانات، من خلال معركة جسد فيها الشعب اليمني العزيز أنصع القيم الدينية والوطنية، وتجلت فيها الحقائق التاريخية والحضارية الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، إذ قدم اليمنيون التضحيات الجليلة، وسطروا فلسفة صمود فريد تفوق على تحالف العدوان وآلته العسكرية الحديثة وجحافل مرتزقته، وأصبح هناك قناعة باستحالة فرض مشروع التقسيم على مناطق شمال اليمن التي تُديرها سلطة صنعاء بقيادة مُكون “أنصار الله”، الذي يمتلك مشروعاً وطنياً مناهضاً للوصاية والتقسيم، ليستمر المشروع، ولكن في إطار التهيئة لانفصال الجنوب وتقسيمه، في ظل اختراق خارجي كبير لما تبقى مما يُسمى “الحكومة الشرعية” وفصائل الجنوب .
المجلس الانتقالي الجنوبي نموذج يتماهى مع مشروع التقسيم
اليوم، حاضر الجنوب يستدعي ماضيه، فما يشهدهُ من انقسامات مناطقية وسياسية ليس حالة طارئة، فقد اتسم تاريخهُ المُعاصر بالصراعات والانقسامات والثارات المناطقية الجنوبية-الجنوبية، وتنازع السلطة بين مراكز القوة، إضافة إلى افتقاره إلى القيادات الكاريزماتية، ولكن المختلف اليوم هو أن حالة الانقسام والتوجهات الانفصالية مدعومة من الخارج سياسياً وعسكرياً، فقد باتت الفصائل الجنوبية تملك سلاحاً ثقيلاً ومتوسطاً استلمته من تحالف العدوان، منها قوات المجلس الانتقالي، وقوات النخبة الحضرمية، وغيرها من الفصائل التي من غير الوارد تسليمها السلاح لأي سلطة أو بموجب اتفاق .
مخطئ من يعتقد أنَّ المجلس الانتقالي يُمثل غالبية أصوات الجنوب، فهو لا يحظى إلا بقبول جزئيّ، لكونه مجلساً مناطقياً مُختزلاً في أبناء لحج والضالع بدرجة رئيسية. ولدى المجلس خلافات أيديولوجية وسياسية مع محافظات مثل حضرموت وشبوة والمهرة. كما يوجد منافسون لرئيس المجلس الانتقالي.
خيارات صنعاء ما بعد تأمين الشمال
لا شكّ في أن 7 سنوات من العدوان أفرزت معطيات جديدة، لعلَّ أهمها هو نجاح ثورة 21 أيلول/سبتمبر، وهزيمة العدوان عسكرياً، إلا أنّ استمرار التدخلات الخارجية، وارتهان كل الأطراف التي باركت العدوان للوصاية، وتسليمها بمشروع تقسيم اليمن، يجعل مهمة صنعاء في إعادة اليمن إلى إطاره السياسي الموحد قبل اندلاع العدوان أمراً صعب المنال على الأقل في الوقت الحالي، فيما يبدو أنَّ إعادة نظام الحُكم وأطرافه التي ارتهنت للخارج باتت أمراً مستحيلاً.
لذا، يتمسَّك التحالف بالخيار السياسي بعد فشله العسكري، من خلال العودة إلى المفاوضات بقيادة الأمم المتحدة، مع التوجه نحو توسيع دائرة الأطراف المشاركة فيها، بما يضمن إعادة مصالح تلك الأطراف التي فقدت حضورها جراء الخيانة، وبما يهدف إلى مصادرة الانتصارات والتضحيات لسلطة صنعاء والمكونات الوطنية، وفي مقدمتها مكون “أنصار الله“.
إنّ صنعاء، وبعد تأمينها كل مناطق الشمال، تقف أمام خيارين؛ الأول هو فرض القوة وتعقيد المشهد، من خلال استكمال تحرير مناطق الجنوب، وطرد القوات الأجنبية، ونقل ثقل المعركة إلى العمق السعودي، وهذا خيار قد لا يُنهي العدوان والحصار، بل قد يُفاقم الوضع، ويقود إلى ما يُسمى فرض عقوبات ضد صنعاء، بل ويُشرعن حماقات عسكرية أميركية بمظلة دولية، إضافة إلى كون هذا الخيار ذا كلفة عالية بشرياً وعسكرياً واقتصادياً على صنعاء.
ختاماً، لا بدَّ من التأكيد أنَّ كلّ حلول السلام التي طرحها المجتمع الدولي والأمم المتحدة، إضافةً إلى الأطراف الداخلية المحسوبة على العدوان، ولا سيما في الجنوب، هي حلول تتضمّن ما يُسمى حق الجنوب في تقرير المصير وفك الارتباط عن الشمال.
لذا، إنَّ أيّ تعاطٍ من صنعاء مع مثل هذه الحلول والقبول بـ”فك ارتباط” مؤقت للجنوب من دون الحاجة إلى إجراء استفتاء مقابل اتفاق شامل وضمانات برعاية دولية تشمل قضايا مثل “المراجعة الدورية للطرفين، وإعادة الوحدة كل 10 سنوات على سبيل المثال، وعدم السماح بأي نوع من أنواع التقسيم أو الانفصال في إطار الجنوب، وعدم السماح بأي نوع من الوجود العسكري الأجنبي، أو تأجير أي جزء من الأراضي أو الجزر اليمنية، إضافة إلى عدم تحول الجنوب إلى أداة لزعزعة الأمن والاستقرار في الشمال” وغيرها من القضايا.
لا شكّ أنَّ صنعاء أمام خيارات صعبة تتحدّى مبادئ ثورتها وأهدافها، وتستوجب عدم التعاطي بردود الفعل لما يبادر ويخطط له العدو، وتستدعي أن تمتلك زمام المبادرة والتحرك في إطار رؤية واضحة وشاملة تتضمن قراءة ما يُحاك ضدها.



