اخر الأخبار

العواصف الغبارية في العراق

أصبحت العواصفُ الغبارية من الظواهرِ المناخية المألوفة في العراق، ولاسِيَّمَا في السنواتِ الأخيرة، التي شهدت زيادة في حدوثِها بفعلِ عوامل طبيعية وأخرى بشرية، حيث أصبح هبوب العواصف الترابية من جهةِ الجنوب والجنوب الغربي لشبه الجزيرة العربية في مختلفِ المواسم بحكمِ الأمر الواقع، الأمر الذي ألقى بظلالِه على مكوناتِ البيئة في البلادِ مخلفاً آثاراً سلبية على جميعِ مستويات النشاط البشري، فضلاً عن التسببِ بأضرارٍ صحية مثل حدوث حالات اختناق لكثيرٍ من المواطنين، وبخاصة المصابين بأمراضِ الحساسية المزمنة ومرضى الصدر والربو، الذين لا ملاذ لهم حين يتصاعد الغبار سوى المشافي والمستوصفات وعيادات الأطباء. ومثلما للعواصفِ الغبارية والترابية أضراراً بالغة بالقطاعِ الزراعي، ولاسِيَّمَا اتلاف المزروعات في طورِ الأزهار، وما يحدثه تساقط الغبار من مشكلاتٍ للتربةِ الزراعية الخصبة، بالإضافةِ إلى إعاقةِ كثير من الصناعات، نتيجة فعل الغبار بأجهزةِ المصانع ومعداتها التي قد تتعرض إلى التلف، فإنَّ للعواصفَ الغبارية والترابية آثاراً اجتماعية تمثلت بإعاقةِ حركة المواصلات البرية والبحرية والجوية جراء انخفاض مدى الرؤيا، الذي توضحت خطورته بالحوادثِ المرورية الكبيرة والمميتة التي خلفها حجب الرؤيا في الطرقِ الخارجية، فضلاً عن شوارعِ المدن المتأتي من كثافة دقائق الغبار والاتربة التي تحملها الرياح.

تشكل العواصف الغبارية إحدى ظواهر التصحر المهمة الناجمة عن عاملينِ رئيسين، أولهما تغير المناخ، الذي من جملةِ آثاره المباشرة قلة الأمطار، وتقلص المساحات الخضراء التي لها أثر كبير على البيئة، وعلى إنتاج المحاصيل الزراعية، فضلاً عن قسوةِ الجفاف وتوسعه، إلى جانبِ تغيرِ امتدادات الفصول الذي يعد من العواملِ المساهمة بخفضِ المحاصيل الزراعية إلى النصف، في حالِ عدم اعتماد محاصيل مطورة تحتاج إلى مياهٍ أقل، إلى جانبِ تحملها ارتفاع درجات الحرارة العالية. ويضاف إلى ما تقدم زيادة الأمراض الناجمة عن هذه التغيراتِ المناخية في المناطقِ التي تتعرض إلى انحسارِ الأمطار بشكلٍ يعكس تناسب معدلات هطولها طردياً مع طبيعةِ الآثار التي تخلفها. في حين يتجسد العامل الآخر بالنشاطِ البشري، ولاسِيَّمَا مناطق البلاد التي شهدت خلال السنوات الماضية نشاطاتٍ بشرية واسعة في ظلِ انعدام آثار النشاطات البشرية الإيجابية، فضلاً عن تعرضِها إلى حركةِ آليات وعمليات عسكرية واسعة بسببِ الحروب التي امتدت لسنواتٍ طويلة، ما أفضى إلى تفتيتِ سطح التربة وتحريكها بعنفٍ شديد، وبالتالي المساهمة بإثارةِ الغبار بفعلِ الوضع الجديد لمساحاتٍ جغرافية واسعة من البلادِ، التي كانت فيما مضى مغطاة بالأشجارِ والنباتات والشجيرات الصغيرة، فضلاً عن الأعشابِ.

إنَّ تسجيلَ تكرارات مستمرة لهذه الظاهرة، التي تتباين حدتها بحسبِ درجة التدهور البيئي وشدة الرياح، بالإضافةِ إلى تنامي شدتها في الأيامِ الجافة والحارة، يفرض على القياداتِ الإدارية، إلى جانبِ الحكومات المحلية الاهتمام بدراسة الأسباب الرئيسة لحدوثِها، فضلاً عن العواملِ المساهمة بزيادتها لمنعِ دخول الغبار إليها بقصدِ تقليل الآثار الناجمة عنها عبر الركون إلى حزمةِ آليات لمواجهةِ هذه الظاهرة، لعل في المقدمةِ منها لجوء بعض المحافظات إلى إنشاءِ أحزمة خضراء حول مدنها، بوصفها إحدى المعالجات التقليدية المهمة لمشكلةِ العواصف الغبارية، التي قد تدفع بعض الإدارات المحلية إلى ركوبِ موجتها لأجلِ مواجهة طغيان قشرة الأرض السطحية.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى