رواية «الحمامة»… والعزلة الوجودية

موج يوسف ..
قررت الحمامةُ الوديعة أن تحطّ ذات صباحٍ عند رجلٍ أقبل على الخمسين عاماً وهو يحتضنُ العزلةَ بعيداً عن شرور الناس. هذا هو (جوناثان نويل) بطل رواية «الحمامة» للروائي باتريك زوسكيند، والصادرة عن دار المدى، ترجمة كاميران حوج. كُتبت بتقنية الراوي العليم الذي توغل إلى خلجات النفس، وما تحكي به الذات الواعية بعد أن عزلت نفسها عن العالم الخارجي حتى تحققَ وجودها. جوناثان عاش خمسين عاماً بنمط حياة روتينية اختارها لنفسه؛ لأنّه كان مؤمناً بمقولة سارتر (الآخرون هم الجحيم) لِما مرّ به من تجارب قاسية، جعلته يفقد حرارة العالم. ولأنَّ الروائي أراد أن يؤكد على أهمية العودة إلى الذات بواسطة العزلة، اختار مكاناً لبطله هو غرفة ضيقة داخل عمارة في وسط باريس وهذه الغرفة لا تتسع لشخصٍ سواه، فصارت بعد مرور عقود طويلة عشيقته وملاذه. أما عن زمن الرواية فنلحظ أنه يومٌ واحد، لكنّ زمنَ القصّ خمسون عاماً، يعود البطل عبر تقنية الاسترجاع الزمني إلى الطفولة القاسية، التي حفلت بفقدان أمّه ثم أبيه، ما تتطلب أن يعيشَ هو وأخته مع عمه الذي لم يلتقِ به سابقاً، وما أن التحق بالخدمة العسكرية وعاد منها حتى فقد اخته، وكلّ الذين فقدهم لم يكن الموتُ السبب، بل كان فقدانا مجهولا اختفاء مباغتا؛ ولكي تكتمل لوحة الفقدان تعرض لخيانة من عشيقته، فشد رحاله إلى بارس وكانت مكاناً أليفاً يحتوي ذاته المفجوعة.
ولتوثيق العزلة المختارة عمل زوسكيند بلعبة سردية أخرى، جعل من بطله يعمل حارساً في بنك كبير، ما قاله البطل عن عمله: (الحارس مثل أبي الهول وفعله لا يكمن في القيام بشيء ما، بل في حضوره الجسدي وليس لديه سوى هذا الحضور الجسدي يضعه في مواجهة من سيسطو على البنك). على الرغم من كون هذه الوظيفة تتلاءم مع العزلة المختارة، لكن النصّ يضعنا أمام هذه الأعمال التي تجرّد الإنسان من صفاته وتسلب منه حريته والشعور الذاتي بكونه إنساناً ينسى وجوده إذ يقول (لا يجوز للحارس أن يحّك جسده أمام العيان) فهنا تقع الذات بمنزلق وجودي خطير: هو أنه بهذا العمل ينعزلُ الفرد عن العالم، والعزلة تفتح ذاته على الشعور، ومن جهة أخرى أن هذا العمل يلغي ذاته وشعوره حتى بالآخر فيبقى متفرجاً لا يحرك سواكن العالم، ووظيفته تكون جسدية فقط. وهذا فيه نسق مضمر هو إدانة للرأسمالية التي ألغت الإنسان وذاته بدلالة البنك. ولأن فلسفة زوسكيند تؤكد على الإنسان الاعتياد أن يكون بمفرده، فنعود إلى الحدث الذي تتصارع فيه الذات حتى تكشف عن هشاشتها، ونرجع إلى المكان الأليف وتحوله إلى مكان معادٍ، مع الزمان الذي تحول من كونه أملاً إلى يأسٍ.



