بين الحقيقة والخرافة.. التابعة .. وهم يتصدر عذابات النساء ويجفف جيوبهن

احمد فيلي
لا تنسى علا ذلك اليوم الذي استيقظت فيه من نومها متعثرة بدموعها نحو الباب، وهي تتحدث عن امرأة تلاحقها في أحلامها كل ليلة وتسقطها من مكان مرتفع، ليعاود الحلم كلما تقدم أحد لخطبتها لتنتهي الخطبة بالفشل، فقد رجّح البعض ان أسباب تأخرها في الزواج تلك المرأة التي تلاحقها والمتعارف عليها بـ”التابعة” والتي تمنع زواج الباكر وتحرم المتزوجات من الانجاب.
دمرت حياتي “التابعة” قالتها علا والألم يعتصر قلبها موضحة انها السبب الوحيد في تأخري بالزواج، فكلما تقدم شاب لخطبتي تنتهي القصة قبل ان تبدأ دون أسباب معلنة من كلا الطرفين، وكما يقال ان الزواج “قسمة ونصيب” الا ان هذه الكلمة باتت لا تجد معنى حقيقيا في حالتي.
عذابات دائمة
وكان السبب واضحا “التابعة” نعم “التابعة” رددتها علا والألم يعتصر قلبها وهي تتذكر تلك المرأة المتشحة بالسواد، قبيحة الملامح، وهي تلاحقها كل ليلة في احلامها وتحاول اسقاطها لتستيقظ من فراشها مفزوعة وتتمتم بالمعوذات لتعاود النوم مرة أخرى، الا انها لم تعرف تلك المرأة التي كانت كظلها الذي يلاحقها كلما اغمضت عينيها الا بعد فوات الاوان. وتروي والدة علا، وهي امرأة في اواخر الاربعينيات من العمر رحلتها في علاج ابنتها من “التابعة” قائلة: بدأت حالة ابنتي النفسية تتلاشى شيئا فشيئا، وكانت تحاول بشتى الطرق السيطرة على اعصابها المنفلتة لأتفه الأسباب، وازدادت حالتها سوءا مع تكرار فشل اتمام زواجها، فسارعنا بمشورة البعض الى احدى “فتاحات الفال” لفتح قسمتها، عسى ان يكون العارض خيراً كما يقال، ولكن بقى الامر على حاله دون جدوى. ويقول الدكتور محمد عبد الحسن الاستاذ في علم الاجتماع: الثقافة العربية على وجه العموم، هي ثقافة ترتكز على عالم من المغيبات، ولقد تجسدت الافكار والاطروحات عن عوالم الجن والاشباح والطناطل في اشعارهم وحكاياتهم ورواياتهم ولم تفارقهم هذه المعتقدات.. هذه الثقافة استمرت حتى بعد نزول القران الكريم وهناك ايات كثيرة تتحدث عن عوالم ما وراء الطبيعيات، عن الجن والشياطين والأرواح، ولقد حاول بعض العلماء الاستفادة من القران والأحاديث النبوية وما تحوي من رقي وتمائم في معالجة ما يمكن ان يختلج الانسان من حالات قد تكون غير طبيعية أو خارج نطاق العلاج أو الطب في تلك المرحلة.
تاريخ التابعة
ويوضح عبد الحسن أكثر من خلال الحوارية التي تعرضها بعض كتب التاريخ بين التابعة ونبي الله سليمان يمكن ان نشخص مجموعة الادوار التي تقوم بها هذه التابعة (فنطقت لسليمان عليه السلام وقالت يا نبي الله انا التابعة التي اخلي الديار وأنا معمرة القبور وأنا التي مني كل داء ومضرة. واسلط عليه ما لا يقدر عليه ونومي على المرأة عند الحيض أو عند الولادة فتعقر ولا يعمر حجرها ونومي على التاجر في تجارته بعد الفرح بالربح فيها فيخيب ويخسر. ويشير عبد الحسن: عند التقصي العلمي عن موضوع التابعة تجد ان هذا المصطلح غير خاضع للتعريف الدقيق أو الجامع مانع (اي يجمع كل المفردات الداخلة فيه ويمنع كل المفردات الخارجة عنه) فالتابعة قد تصيب الطفل وقد تصيب المرأة وهي الأكثر التصاقاً بها بحسب العرف الاجتماعي، وحتى الرجال وبقية الفئات الاجتماعية غير مستثنين من شر هذه التابعة التي مازالت تمثل خرافة تاريخية ليس الا .
منافيات للأخلاق
ويقول الشيخ حسن: فيما اذا سأل السائل صحيح ان الانسان لديه تابعة أو ما يسمى قرين ؟ ان التابعة لا وجود لها مع العلم أن كل انسان قد وكل به قرين من الجن، ودليل على ذلك قول النبي محمد (ص) اذ قال: ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: (وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير) فمع كل إنسان قرين، وعند الغفلة وعدم الذكر يوسوس له ويعده ويمنيه ويخوفه.. فهذه وظيفته ودوره، وكل ذلك بقضاء الله وقدره اختبار وامتحان لعباده، وقد بينا شيئاً من الأسباب التي تجعل الجن تؤذي بني آدم والجن منهم المسلمون ومنهم الكافرون، ولا ينبغي للمسلم أن يعطي الجن أكبر من حجمهم فهم من خلق الله ولا يضرون أحداً إلا بإذن الله تعالى، ومن تحصن منهم بالقرآن والذكر حماه الله، فإن الذهاب إلى أولئك الكذابين شأنه خطير على دين المرء ودنياه وكثير منهم يستغلون النساء لضعفهن وجهلهن في أمور محرمة ومنافية للأخلاق.




