اخر الأخبار

المراحل الذهبية للإستعمار الأمريكي للمنطقة لماذا تلاشت الأمبراطورية البريطانية في دول الخليج ؟

iuou

2

2 ـ مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حتى هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001تميزت هذه المرحلة بلجوء الولايات المتحدة في عهد الرئيس كلينتون، بصورة خاصة، إلى المزج بين نزعة التدخل العسكري وإستراتيجية الاحتواء العراق ومواصلتها ممارسة سياسة الضغط والحصار والعقوبات والتلويح بالتدخل العسكري. وقد شهدت تلك الحقبة تدخلاً عسكرياً في الصومال (بين عامي 1992 و1994)، بالإضافة إلى توجيه ضربات جوية وصاروخية إلى العراق (في الأعوام 1993 و1996 و1998)، وإلى أفغانستان والسودان في العام 1998، حيث استُهدفت مواقع ومنشآت اقتصادية بزعم أنها تابعة لتنظيم القاعدة. ولكن إدارة كلينتون حاولت تسويق استراتيجيا كونية تعتمد على ضمان الأمن الاقتصادي وتسخير التفوق العسكري والتقني للولايات المتحدة لخدمة هذه الاستراتيجيات.
3 ـ مرحلة ما بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر حتى الآن شكّلت هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 منصة لانعطافة جديدة في المشروع الإمبراطوري الأمريكي، وسرعة في وتيرة إنجاز مخطط «المشروع الأمريكي للقرن الجديد» الذي لم تستطع رموز من يسمّون المحافظين الجدد، مثل وولفويتز وتشيني، من وضعه موضع التنفيذ. وخلاصة المشروع أن يتم استخدام فائض القوة العسكرية والتقنية للولايات المتحدة لصوغ نظام عالمي جديد تتفرد فيه الولايات المتحدة بعرش النظام الدولي إلى أقصى مدة ممكنة، عبر التحكم في مصادر مخزونات الطاقة، والحيلولة دون تمكين أية دولة أخرى من منافسة الولايات المتحدة عسكرياً واقتصادياً.وجاءت الهجمات المذكورة لتوفر الفرصة والمبرر لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يضمن هذه الأهداف، ويحقق بوليصة التأمين المستدامة لأمن وبقاء الكيان الصهيوني، وإزاحة أي خطر كامن يهدد هذا الكيان. ومن اللحظة الأولى، لم تنشغل إدارة بوش الابن بالإعداد لضربة انتقامية ثأرية ضد ما اعتبرته حاضنة الإرهاب لتنظيم القاعدة في أفغانستان فقط، بل شرعت أيضاً في عملية الإعداد لغزو العراق تحت ذريعة تطويره أسلحة دمار شامل وتعامله مع تنظيم القاعدة.وساهمت هجمات 11 /أيلول في إعادة صوغ إستراتيجية الأمن القومي الأمريكيةلتوسع من نطاق تفسير مفهوم الدفاع عن النفس ضد الأخطار المحتملة، وصولاً إلى صوغ ما عُرف لاحقاً بـ «مبدأ بوش»، الرامي إلى منح الولايات المتحدة حق شن الحروب الاستباقية على ما يمكن عدّه خطراً قادماً محتملاً، وإن لم يكن وشيكاً أو فعلياً. ووفق ذلك، يكفي أن تُتَّهم أية دولة عاصية على طاعة الولايات المتحدة بأنها تعمل على تطوير أسلحة الدمار الشامل لتكون عرضة للغزو العسكري والتدمير وتغيير النظام. وانتشرت مقولات «من ليس معنا فهو ضدنا، ولن ننتظر حتى نهاجَم داخل أراضي الولايات المتحدة كي نتحرك، بل علينا نقل المعركة إلى أراضي الخصم». ولم تكشف الوقائع اللاحقة لغزو العراق زيف وبطلان كل الادعاءات حول تطوير العراق أسلحة دمار شامل أو امتلاكه هذه الأسلحة فقط، بل تبين أيضاً أن نائب الرئيس تشيني كان قد ناقش في اجتماع خاص مع مسؤولي شركات النفط الأمريكية خرائط ومخططات ذات صلة بالسيطرة على احتياطي النفط العراقي، وذلك قبل هجمات أيلول/. ولم يجر حتى اللحظة الكشف عن طبيعة هذه المداولات، بحجة الحفاظ على السرية وعلى مصالح الأمن القومي الأمريكي.اختارت إدارة بوش الابن الانتقال إلى الاستراتيجيات الهجومية لبسط سيطرتها الكونية، ولم تتورع عن غزو واحتلال بلدين إسلاميين، العراق وأفغانستان، لشعورها بأنها ستتحرك دون رادع أو منافس في المسرح العربي ـ الإسلامي. ولولا نجاح قوى المقاومة (في العراق ولبنان وفلسطين) في عرقلة خططها وإرغامها على الدخول في حرب استنزاف مكلفة، في الميدانين العراقي والأفغاني تحديداً، لما أوقفت اندفاعها عند حدود العراق وأفغانستان.
تعثر المشروع عسكرياً أفضى إلى طرح مبادرات سياسية موازية من خلال ما تقدم، بذلت الولايات المتحدة، و بوتائر مختلفة، محاولات لتثبيت نفوذها بوسائل أخرى غير التدخل العسكري المباشر. وأبرز تلك المحاولات سعيها إلى فرض تسويات منفردة للصراع العربي ـ الصهيوني، وجذب فائض العوائد النفطية للبلدان العربية إلى الاقتصاد الأمريكي، وتشجيع عمليات الخصخصة، وإحداث إصلاحات اقتصادية مغايرة لحاجات شعوب المنطقة، وإبرام اتفاقيات مناطق التجارة الحرة مع الكثير من البلدان العربية، كمغريات لتسهيل وتيرة التبعية والإلحاق، وتقديم المعونات السخية إلى المنظمات غير الحكومية (تحت ستار نشر ثقافة الديمقراطية والحكم الصالح الرشيد وحقوق الإنسان، وتمكين المرأة …)، واختراق الكثير من الوسائل الإعلامية العربية، إضافة إلى تجنيد كتائب من الكتّاب والمثقفين العرب كي يروّجوا لما أُطلق عليه مصطلح ثقافة السلام والاعتدال؛ إذ وصل الأمر إلى محاولة تشجيع مراكز الأبحاث الأمريكية على التعاون مع مثقفين ليبراليين عرب ومسلمين في سبيل الترويج لما يمكن وصفه بطبعة جديدة منقحة ومعتدلة للإسلام وللمناهج التعليمية العربية. ولكن إدارة بوش الابن (التي صورت أن احتلالها العراق سيمكنها من تقديم نموذج يحتذى للتخلص من الأنظمة الاستبدادية، وبناء التجربة الديمقراطية الرائدة) اصطدمت بعجزها عن تقديم نظام بديل مقْنع، ولم تتمكن، رغم تطبيلها وتزميرها لإجراء الانتخابات تحت حراب الاحتلال، من إفراز نظام مستقر لا ينخره الفساد والرشوة والمحاصصة الطائفية والعرقية، عدا عن عدم القدرة على تلبية الحاجات الأساسية. وتوالت فضائح التعذيب في معسكرات الاعتقال، في غوانتانامو وأبوغريب، لتنسف أية أوهام علقت بذهن البعض حول النموذج الديمقراطي الذي تحاول الولايات المتحدة فرضه.ومع تعثر مشروعها ميدانياً واشتداد ضربات المقاومة لقواتها المحتلة، وبداية تذمر حلفائها الأوروبيين والعرب معاً من حصاد المغامرة العراقية البائسة، واتهامها بأنها لا تهتم إلا بالسيطرة على مقدرات العراق النفطية، توجهت مرغمة نحو إطلاق مبادرة الشرق الأوسط الكبير، التي عدّلتها لاحقاً لتصبح «مبادرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، أو الشرق الأوسط، للتغطية على فشلها وإظهار جديتها في السعي إلى إحداث تغييرات جوهرية في المسرح العربي ـ الإسلامي.يمكن اعتبار إطلاق هذه المبادرة الجديدة أول تعبير صريح من إدارة أمريكية عن عزمها على طرح مشروع للإصلاح والتغيير في منطقة الوطن العربي. وجاء خطاب الرئيس بوش الابن في تشرين الثاني/نوفمبر 2003، عبر مؤسسة «الوقفية الوطنية من أجل الديمقراطية» التي يحتضنها مركز «أمريكان إنتربرايز» المحافظ، مؤشراً على طرح ما سمّاه «إستراتيجية التقدم نحو الحرية في الشرق الأوسط» وذكّر مستمعيه بأن هذه المبادرة تحاكي ما أقدمت عليه الولايات المتحدة في هلسنكي عام 1975 لتشجيع الإصلاحات الديمقراطية في أوروبا الشرقية. واعترف بوش بأن الولايات المتحدة لم تكن جادة في المضي بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، مشيراً إلى «أن ستين عاماً من تقديم الغرب للتبريرات أو التغاضي عن غياب الديمقراطية لم تجعلنا أكثر أماناً، إذ لا يمكن في المحصلة النهائية شراء الاستقرار على حساب الحرية هذه اللهجة الجديدة عكست اعترافاً ضمنياً بأن المبادرة التي أطلقها وزير الخارجية آنذاك كولن باول، في كانون الأول/ديسمبر 2002 بعنوان «مبادرة الشراكة الشرق الأوسطية»لتشجيع برامج الإصلاح في البلدان العربية، لم تؤد الغرض المطلوب. ورمت المبادرة، التي طُرحت في شباط/فبراير 2003 (أو مبادرة منطقة التجارة الحرة الشرق الأوسطية ـ الأمريكية)، إلى الإيعاز بتحقيق جملة أهداف منها: تعزيز دور المجتمع المدني؛ اتخاذ مبادرات للاستثمار في مشاريع اقتصادية؛ توسيع قاعدة المشاركة السياسية؛ تعزيز حقوق المرأة. لكنها أيضاً عكست قناعة أيديولوجية لفريق المتشددين من المحافظين الجدد، الذين كثيراً ما روّجوا لضرورة اعتماد مبدأ تغيير الأنظمة بكل السبل الممكنة، وخاصة القوة العسكرية، للبدء بتقديم مبررات جديدة للشعب الأمريكي عقب تنامي قلقه وتشكيكه بالأهداف المعلنة للغزو الأمريكي للعراق، للإقلاع عن ذريعة أسلحة الدمار الشامل واعتبار نشر الحرية والديمقراطية في العالم العربي والإسلامي هدفاً حيوياً ضرورياً لتعزيز الأمن القومي الأمريكي، وأن نشر الديمقراطية في المنطقة هو الطريق الوحيد للقضاء على الإرهاب والتطرف.يمكننا تسجيل عدة عوامل رئيسية كامنة وراء مبادرة بوش الجديدة للإصلاح والتغيير في المنطقة: أسهم الفشل الميداني لقوات الاحتلال، واشتداد عود المقاومة العراقية، وانهيار شعبية الرئيس داخلياً في دفع الإدارة إلى اتخاذ خطوات ترمي إلى وقف الانحدار المتعاظم في تأييد الشعب الأمريكي لاحتلال العراق (خاصة بعد انكشاف زيف ادعاءات امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل أو علاقته بهجمات 11 أيلول/سبتمبر). لذلك اعتقد بوش أنه وجد ضالته باستخدام نغمة نشر الحرية والديمقراطية، لأنها ستكون أكثر قبولاً لدى الشعب الأمريكي.
حاجته إلى التلويح بفزاعة التغيير في وجه أنظمة التبعية الرسمية العربية لكي تخضع أكثر للتعاون والتنسيق، وتؤدي الدور الوظيفي المطلوب في حربه الكونية على الإرهاب المتجسد بالتطرف الإسلامي، حسب رأيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى