ثقافية

” أنياب تلتهم الظلام” رواية عن الوحوش في جنوب العراق

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد يوسف عبود جويعد ان رواية ” أنياب تلتهم الظلام” للروائي سعد الازرقي تضم في ثناياها العديد من الاحداث الساخنة في جنوب العراق دون أي تمهيد أو مقدمات لا ضرورة لها.

وقال جويعد في قراءة نقدية خص بها (المراقب المراقب): لقد بات من الطبيعي، أن يكون لكل عمل سردي روائي سماته وصفاته، وأسلوبه، وزاوية النظر، ولكل روائي بصمته التي تجعله يختلف عن بقية الساردين، وفي رواية (أنياب تلتهم الظلام) للروائي سعد الازرقي، ما يؤكد ما ذهبنا اليه، كونه يضعنا في خضم أحداث ملتهبة ساخنة، دون أي تمهيد أو مقدمات لا ضرورة لها، وسرعان ما ننتقل الى قرية السلام في محافظة ميسان، وهي قرية متاخمة للأهوار، وفيها مداخل ومخارج وسفوح وتلال، تسمح للحيوانات المفترسة والوحوش الدخول من خلالها، للبحث عن فريستها واصطيادها، وهذا ما اكتشفناه ونحن نلج عتبة النص السردي الروائي، والمدخل الاول للرواية:

(استيقظ أهالي قرية السلام صبيحة أحد الأيام المنذرة بالشؤم، على صراخ غير اعتيادي يصدر من بيت – عويّد آل فرهود- ليهبوا وآثار النوم لما تزل تسيطر على عيونهم مستطلعين حقيقة الأمر. رجال حفاة، نساء بلا عباءات، أطفال يصدرون ضوضاء مقلقة، جلبة مواشي، نباح كلاب، صياح أوزّات تركض بلا هدى.) ص 9

واضاف :إن إدارة دفة الأحداث بطريقة ضاجة زاخرة بالأحداث، وسط فضاء قرية ريفية، تنبع منها رائحة الطين، وتحيطها البساتين والاهوار، ويقودها الشيخ منصور، وتغلفها عادات وتقاليد وطقوس أبناء أهل الريف في جنوب البلد، ومن هنا نكتشف أن لهذا النص السردي الروائي، مسارين هما الخطان اللذان يسيران منذ بداية أحداث الرواية وحتى انتهائها، الأول هو الخلاف الذي حصل على من يكون الشيخ بين منصور الذي أخذها عنوة دون استحقاق وعباس أبن عمه، ويظل أحدهم يضمر للآخر الضغينة والكره، إلا أن صلة الدم تحول بينهما لبقاء هذا الصراع دون تصاعد أو توتر، والثاني هو هذا الوحش المخيف المرعب، الذي ينقض على القرية ليلاً فيفترس الشاة والنعاج والعجول، ويهدم البيوت ويثر الرعب بين أهالي القرية، الأمر الذي جعل ابناء القرية، يجعلون هذا الحدث الشغل الشاغل لهم:

(اعتاد الناس خصوصاً النسوة على وجه التفرد، على اطلاق صرخات النجدة والثغيب والنواح، مثلما اعتادوا على مشاهدة الدماء. أصبح كل من في القرية نافذي الصبر، متوترين، منقبضين، خشني الطباع، وكان الوحش يعرف بغريزته الحيوانية إنه ارهقهم وجعلهم يتمنون الموت بيسر مثلما تموت حيواناتهم وحيدة، لا يوجد من يحميها، راداً عنها مصير الموت.) ص 29

وتابع :وهكذا فإن حركة مبنى هذا النص السردي، يتطلب احتواء واحتضان هذه الاحداث وإدارتها بشكل تصاعدي متواتر، كوننا اطلعنا على واقع حال أهل القرية، ومعاناتهم وهم يواجهون وحشاً كاسراً مخيفاً، ينقض كالبرق، فيأخذ فريسته دون أن ينتبه إليه أحد، وهذا ما عرفناه في مستهل هذا النص، الأمر الذي يتطلب من الروائي التوغل أكثر، بدوائر تصاعدية ساخنة محتدمة ضاجة بالأحداث وبشكل متواصل دون انقطاع، كما يحتاج ذلك من الروائي أن يحافظ على حركة الاحداث وايقاعها بذات النسق الفني الذي اتبعه منذ الوهلة الاولى، وبانسيابيها التي تلائم مضمونها وشكلها، فأمام أهل القرية مهمة صعبة وشاقة ألا وهي مواجهة هذا الوحش واصطياده والقضاء عليه، الأمر الذي جعل المسار الاول يسير خلف المسار الثاني وبشكل يجعل ظهوره وفق مقتضيات العملية السردية التي تنبع من خلال مواجهة هذا الوحش، الذي حشد الروائي كل السبل والامكانات المتاحة لمواجهته ابتداءً من استعداد اهل القرية، والاسلحة والسهر لانتظاره، وظهور حالات داخل القرية، يظهر فيها الوحش بشكل خاطف وسريع فيأخذ فريسته، ويمضي مهدماً الجدران، وهكذا تكبر رقعة الاحداث وتتسع متواصلة متشعبة زاخرة بما يجعل الاحداث ساخنة، وتكبر دوائر الاهتمام، ويزداد الاستعداد لأهل القرية للقضاء على هذا الوحش بكل السبل والطرق، ويظهر عباس واحداً من رجالات القرية الاقوياء الشجعان الذي نذر نفسه للقضاء على هذا الوحش، أو يهلك دونه، يبدأ هذا الصراع يظهر من جديد على سطح الاحداث، وعملية التنافس على استحقاق ان يكون الشيخ بينهما.

وواصل :وهكذا يضعنا الروائي وسط تلك الاحداث التي بدأت ساخنة وظلت تتصاعد في سخونتها واحتدامها وصراعها، وصراخ اهل القرية كل يوم، ومنظر ما يخلفه الوحش من دماء واشلاء لحيوانات افترست، ودمار وخوف وقلق، وهو أمر وفق فيه كونه حافظ على العناصر والادوات التي تستخدم في فن صناعة الرواية لمثل هذه المادة التي تتطلب قيادة متقنة.

وختم :إن عملية الامساك بالنسيج السردي، والسيطرة على الاحداث وعدم السهو عن اية شارد او واردة فيها، أمر مفروض على الروائي، وهكذا فإن المسارين اللذين ابتدأ بهما الروائي، قادهما بخط تصاعدي ظل يحافظ عليهما ويسيرهما داخل مبنى السرد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى