رحلة الإصلاح والجدل البيزنطي
شاءت الظروف أن يعيش المجتمع اليوناني في ما قبل الميلاد حالة من البلبلة الفكرية , كان للسوفسطائيين دور كبير في إشاعتها من خلال أساليب التلاعب بالألفاظ , والحصان المرسوم على لوح بأنه صاهل لأنه يحاكي الحصان الحي الصاهل ذلك للإمعان في تغييب الحقائق عن الوجود . وحينما تصدى الفيلسوف المشهور أرسطو لوضع حد لهذه التفاهات , من خلال تفعيله لعلم المنطق كآلة تعصم الأذهان من الخطأ , لم يستأذن أرسطو أولئك السوفسطائيين , أو يرجُهم للإقلاع عن منهجهم الخاطئ , وشطحاتهم القاتلة , وإنما أقحمهم بمعطيات الأمر الواقع الذي فرضه , وحظي بإقناع الناس في صحة منهجه .
وحينما آلت الخلافة إلى أمير المؤمنين علي (سلام الله عليه) فقد كان كما وصفه المصطفى (صلى الله عليه وآله) ” أن علياً لأخيشين في ذات الله ” فلم يتسامح الإمام قط ولم يجامل رموز الفساد من مخلفات الخلافة السابقة , بل أبى الاستماع إلى آراء المشفقين الناصحين بضرورة مجاملة معاوية الذي تسلط على حين غفلة من الدهر على مقادير الشام حتى يحين الحين مستقبلاً لاقتلاعه من جذوره .
لا شك في أن قول الإمام المعصوم وفعله وتقريره سنة واجبة الإتباع , على عدّها ترسم الآلية الأصوب في التعاطي مع مفردات الواقع التي يعايشها الإنسان , حاكماً أو محكوماً على مر التاريخ .
ولعل واقعنا الحاضر قد بُلي بشيوع البلبلة الفكرية وكثرة المفسدين وشيوع الفساد , فهل ينجح دعاة الإصلاح بغير الاستفادة من منهج سيد البلغاء والمتكلمين ؟ وهل دخولنا في الجدل البيزنطي إلا متاهة تبعدنا عن جادة الحزم والحسم المطلوبين؟ وهل قول البعض بحصانة الحكومة الحالية من الاستبدال , لأنها وليدة البرلمان , والبرلمان وليد أصوات الشعب قول صحيح بالضرورة ؟ وماذا لو أراد الشعب أن يسحب ثقته التي وضعها بمجموعة فأساءت التصرف , وخانت الأمانة , بل وأمست حاضنة للفاسدين ؟ وهل يضمن المجادلون البيزنطينيون رضوخ المفسدين الفاسدين المتنفذين لمنطق الحق , وتنازلهم بطيب خاطر عن مكتسبات عملوا على تحقيقها لأكثر من اثنتي عشرة سنة بالتمام والكمال ؟
ألا يدرك أولئك السادة المشفقون الناصحون المحذرون من مغبة استثمار المتآمرين الفرصة لقلب الطاولة على أصحابها , وبما فيهم البعثيون المتربصون والمستعدون للتعاون مع الشيطان لبلوغ أهدافهم الشريرة وشراهتهم في الإمساك بتلابيب الناس من خلال وسيلة السلطة عليهم , بأن أقوى ضربة يوجهها الشعب إلى أعداء العراق دوليين وإقليمين ومحليين , لهي من خلال الخطوات الجريئة في قطع شأفة الفساد , وتجفيف منابعه وحذف أيتام النظام البعثي من سلسلة السلطة والتنفذ.
لا شك أن الاسفاف في الجدل البيزنطي , و الاستغراق في تعداد المحاذير , ليوفر اجواءاً مناسبة لكي تتنفس الحيتان واسماك القرش الفاسدة الصعداء , ويهيىء بيئة مناسبة لمواصلة حركتها في تخريب المؤسسات وهدر المال العام , تحت مظلة الحصانة التي منحوها لأنفسهم باسم الشعب المنكوب زوراً ودجلاً , وما علينا والحال هذه إلا استذكار قول الشاعر:
نامي جياع الشعب نامي
حرستــك آلـهــة الطــعام
نامــي فـإـن لــم تشـبعـي
مـن بطنة .. فمـن المـنام
ناصر جبار سلمان



