حرب المافيا وإردوغان.. سوريا من جديد

بقلم/حسني محلي..
في مسلسل حربه ضد وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، ومن خلاله الدولة التركية، تحدَّث سادات باكار (الأحد)، في شريطه الثامن والذي يبثّه عبر حسابه على اليوتيوب، عن “تورّط أنقرة في سوريا وشعاراتها الحماسية عن فلسطين”. واعترف باكار، ذو الأصول القومية العنصرية، وهو زعيم إحدى عصابات المافيا وكانت له علاقات واسعة ووثيقة بجميع أجهزة الدولة وقطاعات متعددة أخرى، اعترف بـ”دوره في نقل الأسلحة والمُعِدّات الحربية إلى المجموعات المسلَّحة في سوريا”. وقال “كنت أعتقد أنني أرسل الأسلحة إلى التركمان، لكنْ تبيَّن لي، في ما بعدُ، أن هذه المساعدات وغيرها، والتي نقلتها شركة SADAT مع المخابرات الوطنية، كانت تذهب إلى (جبهة) النصرة”.
حديث باكار هذا أثار تفاعلاً واسعاً في شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، بعد أن حصد الفيديو، وهو لمدة ساعة تقريباً، 3.5 ملايين مشاهدة خلال خمس ساعات فقط. واتهَّم باكار مقرَّبين من إردوغان بتهريب البترول والمعادن وأمور أخرى من سوريا إلى تركيا، بالتنسيق مع “النصرة”، ليحقِّقوا بذلك أرباحاً خيالية. ومن دون أن يُهمل باكار التطرُّق إلى القضية الفلسطينية، متَّهما إردوغان، من دون أن يسمّيه، بإطلاق شعارات حماسية جوفاء، ليقول “لقد أرسلتم الطائرات المسيَّرة إلى أذربيجان، وهي غنيّة بالبترول، وأرسلتم الجيش إلى قطر، وفيها المليارات من الدولارات، فلماذا لم ترسلوا عَشْرَ طائرات مسيَّرة إلى الشعب الفلسطيني؟ وإنني أسألكم: مَن الذي يملك السفن التي تنقل البضائع والبترول إلى “إسرائيل”، ومَن الذي له مكاتب هناك”.
حديث باكار عن نقل الأسلحة إلى سوريا، أعاد إلى الأذهان ما قامت به قوات الأمن بتوقيف شاحنات محملة بالأسلحة وتفتيشها، وقد كانت في طريقها إلى سوريا بداية عام 2014، وهو ما أثار آنذاك ردود فعل عنيفة من إردوغان، الذي قال “إن الشاحنات التابعة للمخابرات كانت تنقل مساعدات إنسانية وطبية إلى التركمان في سوريا”.
وأقسم رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو بشرفه لاحقاً إنها كانت كذلك. وتمَّ، في ما بعدُ، اعتقالُ كل رجال الأمن والقضاة والضباط الذين أدّوا دوراً في توقيف الشاحنات وتفتيشها، ووُضِعوا جميعاً في السِّجن بتهمة الخيانة الوطنية والتجسس، بعد اتهامهم بالعلاقة بالداعية فتح الله غولان . كما تمَّ اعتقال رئيس تحرير صحيفة “جمهورييت” جان دوندار، ومصادرة كل أملاكه (هرب بعد خروجه من السجن إلى ألمانيا)، واعتُقِل لاحقا عضوا البرلمان عن حزب “الشعب الجمهوري” أنيس بربر أوغلو وأران أردام، بسبب دورهما في الكشف عن خفايا هذه الشاحنات، وأسرار العلاقات الخطيرة بين أنقرة و”النصرة”، بما في ذلك نقل غاز السارين والمواد التي تُستخدم في تصنيع الأسلحة الكيميائية.
وقال باكار “إن شركة SADAT كانت تشرف على كل شيء حتى لا تتعرَّض تركيا لاحقاً لملاحقات قانونية دولية”.
ولا أحد يعرف إذا ما كانت أحاديث باكار ستؤثّر وإلى أي مدى، في المستقبل السياسي للرئيس إردوغان، الذي اضطُرَّ في نيسان/أبريل من العام الماضي، تحت ضغوط حليفه زعيم حزب “الحركة القومية” دولت باخشالي، إلى الإفراج عن زعيم عصابة مافيا آخَرَ يدعى علاء الدين جاكيجي، فخرج من السجن وهدَّد زعيم “حزب الشعب” الجمهوري كمال كليجدار أوغلو بقوله “احترِمْ نفسك وكفَّ عن هجومك على إردوغان، وإلاّ فسوف أدعك تجلس على الخازوق”.
وقبل ذلك، نجح إردوغان في مواجهة حملة المعارضة العنيفة التي استهدفته عندما قام أتباع الداعية فتح الله غولان، في 17-25 كانون الأول/ديسمبر 2013، بتسريب تسجيلات صوتية له مع نجله بلال، وأخرى لأربعة من وزرائه، أثبتت تورطهم جميعاً في قضايا فساد خطيرة جداً، كما أثبتت تفاصيل التدخل التركي العسكري المباشِر في سوريا. وكان بين تلك التسريبات تسجيلٌ صوتيٌّ لما دار في جلسة داخل مكتب وزير الخارجية أحمد داود أوغلو مع قيادات عسكرية واستخبارية، وفحواه وضعُ خطة لاجتياح سوريا.
فلقد كان أتباع غولان في الأمن يتنصّتون على اتصالات كل المسؤولين السياسيين والعسكريين والاستخباريين في الدولة، وذلك باعتراف الرئيس إردوغان نفسه، والذي قال في ما بعدُ “كانوا يتجسَّسون حتى على غرفة نومي”، في الوقت الذي كان الإعلام الموالي يتَّهم غولان، المقيم بأميركا، وأتباعه، بالعَمالة تارة لأميركا، وأخرى لـ”إسرائيل”، وأحياناُ لألمانيا. والإمارات باتت تعرف خفايا إردوغان وأسراره، إن كان هذا الاتِّهام صحيحاً. كما سيعرف الجميع، بعدَ الآن، مزيداً من هذه الخفايا والأسرار عن السياستين الداخلية والخارجية، إن كان كلام باكار صحيحاً. وحينها، قد يجد إردوغان نفسه في ورطة كبرى، لأن استطلاعات الرأي أثبتت أن ما لا يقل عن 90٪ من الذين يتابعون باكار، يصدِّقون كلامه.
وهو ما سنرى نتائجه قريباً، إن كان باكار جادّاً في حديثه، بحيث هدَّد إردوغان وتوعَّده وهو يقول له “سأُخاطبك شخصياً الأسبوع القادمَ يا أخي الكبير”!



