«تلك أسفاره» رواية فلسفية عن الملمح السياسي لفترة مربكة جدا في الحياة العراقية

المراقب العراقي / المحرر الثقافي…
يرى الناقد والروائي علي لفتة سعيد«تلك أسفاره» ان رواية (تلك أسفاره) لعلي حسين يوسف هي رواية فلسفية عن الملمح السياسي لفترة مربكة جدا في الحياة العراقية.
وقال سعيد في قراءة نقدية خص بها(المراقب العراقي): تحاول رواية«تلك أسفاره» لعلي حسين يوسف ضخ أكبر كمية من الجهد الفلسفي والأفكار والتحليل وحوارات وكل ما له علاقة بالفلسفة من أجل تبئير فكرة الرواية لتكون هي الحاضنة الأولى والأخيرة له، ولتكون ايضا غطاء لكل المستويات التدوينية، لأن اللعبة الأساسية في هذه الرواية تؤدي دور الضخ لزيادة مناسيب المعلومة الفلسفية التي تبدأ بالعنوان ليكون بوابة المدينة الفلسفية التي يدخلها.. وعلاقة المفردة أسفار بالفلسفة أقوى من علاقتها بالمتن السردي وحتى الحكائي الذي يريد إعلاء قامته من أجل المنافسة مع المستوى الفلسفي التي كونتها الفكرة الأساسية.
وأضاف : ما يبدو على الرواية انها سيرية بثوب سردي، أو سرد ارتدى ثوب السيرة، ولذا فان الأسفار هنا لا تعني سوى تلك المركبات التي تحمل نواة كل حركة من الحركات والشخوص التي ساهمت في إعطاء ملمح الشخصية بعدها السيري وبالنتيجة الوصول إلى الملمح الفلسفي الذي تريد الرواية قوله. الأسفار هي فصول حياتية يحملها المتن السردي بطريقة التقشير المتعدّد النواحي والاتجاهات، فهي أسفار فلسفية وسياسية واجتماعية وعلاقات وتضاربات وتبيان وحتى ازدواجية الشخصية في القراءة الأولية لمعنى القصدية التي تدور رحاها بين أسفار الرواية، وقد يجد المتلقي أن ( أسفاره) لا تبدو مطابقة للمراد التأويلي من خلال نتائج البحث السيري بل أرادها أن تكون علامة دالة على محاولة إيصال كل ما يريده من أجل التماهي ما بين طريقة السرد وطريقة الحكي، لأن الرواية في بعض أسفارها عبارة عن متن حكائي أكثر مما هو متن سردي من خلال العلاقة التي تربط الراوي بالشخصية الرئيسية (محسن) وهو بهذا جعل من العنوان ليس بابا للدخول إلى مدينة السرد بل هو غاية التقطيع والانتقالات السردية التي فرشها الروائي على مساحة واسعة تبدأ من الطفولة إلى لحظة الاعدام وما يليها وما قبلها وما جاورها.
وتابع :تنص فكرة الرواية على الفعل الفلسفي لمدرس فلسفة ينظر إلى الحياة بعين أخرى لا ينظر لها المجتمع ولا تنظر له القوة السياسية المتسلطة التي تذكر في التأويل الحكائي على انها تمتد من السبعينيات حتى سنوات الحصار وما بعده وهي تراقب حركة الشخصية مع ما يجاورها من شخصيات تتعدد بتعدد الأسفار، وتتنقل بطريقة التدوين بتعدّد فهم وثقافة الشخصيات المرافقة.. وهذه الشخصية تلاقي الكثير من التضادات فلا المجتمع باستطاعته هضم الفلسفة باعتبارها المعينة على فهم الحياة ومواجهة الصعاب ولا السلطة تريدها ان تكون موجودة،( كم مرة نصحناه أن يكف عن تفلسفه لكنه لم يتعظ) ولهذا فإن التحولات التي صادفت الشخصية كثيرة بدءا من أيام الدراسة المختلفة حتى الجامعة وعلاقاته المتشعبة والمتضاربة وغير الموفقة التي جعلها الروائي على أساس انها متون متعددة للكشف عن الماضي وبالتالي وقع في هذ الجانب في فخ ضخ المعلومات وما يجاوره من شخوص لا يؤثر وجودهم على الصراع والفعل الدرامي وتصاعد الحدث بقدر ما يمنح وجودهم قدرة على ان تكون الشخصية متفلسفة لواقعها ومن خلالهم يتم الكشف عن تلك الجذور التي أرادها الروائي أن تكون محمولة على عاتق المستوى التحليلي.
وأستطرد:لهذا تكون الفكرة بما يرتبط بمدرس فلسفة الذي يعاني من الحياة السياسية ولا يجد أذنا صاغية ولا يريد ان يكون أداة بيد السلطة ويعتقد ان الفلسفة هي الحل أو ان اختصاصه الفلسفة جعله يقع في مطبات المواجهة والتقليبات حتى في الوعي الثقافي والاجتماعي وتجعله غير ثابت في التفكير، لذا فان كل ما يترتب على الفعل الفلسفي كونه نتيجة حتمية لما آل اليه الواقع الذي تصل بالنتيجة إلى فصله من الوظيفة ومن ثم إعدامه.. وما بين هذين الحالين تقفز الفلسفة لتكون مرادفا للفعل التدويني. حيث يعود المتن كل شيء إلى الفلسفة وهو ما يتضح من ضخ كميات الكبيرة من أقوال وشخوص فلسفية، أرادها أن تكون معادلا موضوعيا للشخصية الرئيسية سواء تلك التي جاءت بالأقوال أو الأحاديث أو التجارب المواجهة او تلك لتي حصل معها تعدي وقدح وهتك وسجن واحراق عبر التاريخ، بل حتى من خلال تبئير السؤل بمنطقيات عديدة (هل على الانسان أن يجرد الامور من أرديتها الجميلة ويعريها حتى تبدو مقفرة) حتى ان بعض هذه المعلومات التي ضخت تأخذ أكثر من صفحة في تعدد مرهق للجذور الفلسفية وهو ذات الامر ينطبق على تعدد الشخوص غير المناسبة التي تمكنت العناوين الفرعية من سحبها من غرق الحكي التقريري. لكنها أيضا تعطي الملمح السياسي لفترة مربكة جدا في الحياة العراقية.
ولفت الى ان كل سفر يبدأ بصيغة الغائب إلا القليل منها تبدأ بطريقة الحوار او السؤال الفلسفي وهو ما يعني صناعة راوٍ موازٍ للراوي العليم والراوي الضمني الذي يمهد للتحول إلى صيغة المتكلم او العكس من المتكلم إلى الغائب وما بينهما تبرز صيغة المتكلم يكون بارزا في توطيد العلاقة ما بين السيرة الذاتية الحكائية والمتن السردي الروائي.
تعتمد الروية على المستوى الإخباري لتوضيح معالم الشخصية لرئيسية وهو مستوى يمنح الحكاية بعض ملامح التحول إلى السرد الذي تلاعب به الروائي على لسان راويه المتعدد الالسن والصفات والتحولات.. فهو يتنقل بين الغائب ولمخاطب والمتكلم في اغلب المتون سواء اجتمعت هذه الصيغ في سفر واحد او بعضا منها حسب ما يأتيه الراوي من حديث عن مفصلية من مفصل الشخصية التي تتنقل ما بين الريف والمدينة والانتقال من تحولاته الثقافية والتقاليد العشائرية والمدنية حيث المدينة وفضلا عن الإخبار المرجعي للأحزاب الاخرى والصراع بين المدنية والشيوعية والسلطة بحزبها والصراع ما بين الكتاب وقارئه واهمية هذه الكتب في تجذير العلاقة.
وأكمل :اعتمد الروائي على طريقة روي متنقلة وذلك من خلال الإخبار السريع بجمل سريعة متراصة مواكبة للحدث لحكائي، والاخبار المستوفي لشروط الاسترجاع الماضوي للشخصية، والاسترجاع للمتون الفلسفية التي يحملها الشخصية الرئيسية وما تأثر به او أثروا من شخصيات اخرى، وهي استرجاعات طويلة في بعض الاحيان ضخّ فيها الروائي جلّ ما يعلمه عن الجواب لفلسفية حتى انها فاقت القدرة على ن يكون طالب جامعي يحفظ كل هذه الاسماء والمرجعيات والأقوال دون ان يسوقه على لسانه الحالي في لحظة التدوين وهو ما جعل الزمن ينقسم إلى الزمن الذي بدت به الرواية وهو زمن منا قبل لنهاية، والزمن الذي قشر فيه الراوي شخصيته عير طريقة إزالة القشور عن لب الحكاية وهذا الجزء اعتمد على ثلاث أزمان ايضا.. زمن الطفولة، وزمن الجامعة والتنقلات الفكرية والاضطرابات العاطفية والشخصية والسلوكية وزمن الوظيفة والتحولات السياسية.. اما الجزء الثالث هو الزمن النهائي حيث تتكشف خيوط الروي والنهاية الحتمية التي بات المتلقي يعرفها منذ البدء وكل هذه الازمان تجتمع في محمول المستوى الفلسفي الذي يبرز في كل مفصل من فصول الرواية .



