اليابان معجزة ام عملٌ بإخلاص (ج2)

بقلم/ أمجد السراي…
ربما تكون مراحل هذا النمو عالي السرعة تعود الى الطبقة التي ركز عليها المفكرين والعلماء في بناء الدول تلك الطبقة التي تكون الحالة الوسط بين الحاكم والمحكوم (الطبقة الوسطى)هذ الطبقة التي كانت اقرب الى ما تكون مقياسا لمدى فاعلية السياسة اليابانية ودرجة تأثيرها اذ كانت النتائج تبرز في توسع هذه الطبقة في المجالات كافة لاسيما التعليم والحالة الاقتصادية والوعي السياسي لخ.
هذه الطبقة كان لها الدور البارز في نهضة اليابان لما تمثله من طاقات علمية وعملية ترفد القطاعين الحكومي والخاص بما يحتاجانه من خبرات.
دائما الدول تواجه المصاعب في اعادة بناء مؤسساتها ولا تشذ اليابان عن تلك الحالة لكن اليابان شذت في مسألة التوحد خلف هدف حقيقي مشفوعا بتصالح ذاتي بين الشعب نفسه من جهة وبين الشعب والسياسيين او الحاكم من جهة اخرى
هذا التصالح اطلق العنان الى اصلاح حقيقي في مؤسسات الدولة اصلاح شمل الجوانب كافة مشفوعا بدعم شعبي وسياسي وكان التعليم والاقتصاد ابرز تلك المجالات التي خضعت للاصلاح الحقيقي ،فقي التعليم تم استحداث المناهج الدراسية وفق متطلبات المرحلة وتم حذف جميع المقررات التي تمجد عسكرة اليابان
كذلك نال المجال الاقتصادي الاهتمام الاكبر من التطوير، اذ سعت الحكومة اليابانية الى تحريك الدورة الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية التي انهار معها الاقتصاد والدولة اليابانية. فقد سعت الحكومة الى تشجيع المهن والحرف الصغيرة وحمايتها من المنافسة ،كما دعمت القطاع الخاص بشكل لا يفرق عن اهتمامها بالقطاع العام اي شملته بالرعاية الابوية لانه يشكل احد ركائز الاقتصاد الساندة للدولة.
بدأت الحكومة اليابانية وكخطوة لتحريك عجلة الاقتصاد في اليابان بدعم الاستثمار المحلي وتوفير القروض بمختلف انواعها ومنح الاراضي السكنية وبالتالي خلقت الحاجة الاقتصادية نتيجة الزج بالقطاع المصرفي في عملية التطوير الاقتصادي
فبدأت العوائل الكبيرة تنشطر الى اكثر من واحدة وكل عائلة بدأت تبني بيتها المستقل هذا الامر دفع المصانع والمعامل الى توفير متطلبات هذا الوضع الاقتصادي داخليا وبالتالي اصبحت هناك حاجة للايدي العاملة التي بدورها اخذت ونتيجة للمرتبات التي تستلمها ان تقوم بطلبات جديدة تمثلت بالحاجات الكمالية التي اخذت الدولة ايضا تستغل هذا الجانب وتوفر كل الالات التي تخدم انتاج هذه المواد داخل اليابان دون استيرادها من الخارج وبالتالي فقدان
العملة الصعبة للبلد وكدعم وتشجيع المواطنين على شراء المواد الكمالية التي توفرها الدولة قامت الحكومة بتوفير تلك المواد للمواطنين بنظام التقسيط من اصغر حاجة الى اكبرها وبالتالي هذا الامر انعكس على رفاهية المواطن الياباني وارتفاع مستواه المعيشي والاجتماعي.
كذلك سعت حكومات (جمنتو) الى انشاء المدن الصناعية قرب المواد الاولية او إنشاء موانئ تسهل عملية توزيع المواد الاولية بتكلفة رخيصة تجعل الانتاج المحلي منخفضا في تكلفة انتاجه وبالتالي قادرا على المنافسة مع مثيلاته من السلع القادمة من الخارج.
كذلك اهتمت الحكومة بقطاع التجارة الخارجية من خلال حماية المنتج المحلي من المنافسة بواسطة تقليل كلف انتاجه والتركيز على متانة وجودة المنتج
لم تسمح الحكومة اليابانية بدخول المنتجات التي كانت الشركات والمصانع اليابانية تنتجها داخليا وكانت في سبيل تطوير ذلك وخلق حاجة متجددة تعمد الحكومة اليابانية الى شراء براءات الاختراع لبعض المنتجات وتخضعها للدراسة وبالتالي انتاجها محليا وهكذا اصبحت اليابان تعيش حالة من الاستهلاك الداخلي الدائم اي خلق ثقافة الاستهلاك المحلي
الكثير من الشركات الصغيرة بل حتى الكبيرة منها كانت تجازف في مشاريعها والذي شجعها في ذلك هو شعورها بان هناك دولة ستنقذها من الفشل في اللحظة الاخيرة لذلك كان النجاح يولد من تلك المغامرات في انتاج اشياء جديدة مميزة تخلق تجدد في الحاجة الاستهلاكية.
في الختام …
دولة يطلق عليها معجزة كاليابان لم تكن تاتي من فراغ بل جاءت من ايمان حقيقي بمبدا الوطن والتصالح مع الذات والبحث عن المشتركات والتوحد خلف المصالح العليا للدولة وخلق حالة من التكامل بين مكونات المجتمع لتحقيق نفع المجتمع، هذه التجربة المميزة هي ليست للتغني بها من قبل الشعوب والحكومات العربية بل هي نموذج للدولة التي تسعى فعلا لان تكون دولة ذات اهتمام وتقدير دول وشعوب العالم.
ما نحتاجه لنكون كوكبا او معجزة كاليابان هو ان نقرر من اعماق تفكيرنا اننا نريد ان نعيش في دولة تفكير شمولي لكل فئات المجتمع من افراد واحزاب وشركات وجماعات متنوعة لابد من رغبة في بناء دولة تعكس شموخنا مهما كلف ذلك
لابد من دولة نسعى بشكل جماعي لعكس افضل صورة لها امام انفسنا وامام المجتمع الدولي وهذا يكون من خلال النظر للدولة ومصالحها العليا بانها القيمة التي تمثل كيان كل فرد من افراد المجتمع.
العراق واحد من تلك الدول التي من الممكن والممكن جدا ان يكون يابان المنطقة التي نعيش فيها(يابان الشرق الاوسط) لاسيما وقد علمنا ان اليابان قبل القفزة الاقتصادية النمو عالي السرعة كانت اسوء حالا من حال العراق لكن كانت هناك ارادة لبناء دولة ولابد ان تولد هذه الارادة في العراق اذا ما اراد التاسيس الحقيقي للدولة العراقية الجديدة دولة المؤسسات.



