التشخيص الفني والبلاغي في قصة”الباب” القصيرة جدا

عبد المجيد بَطالي…
1 – المتن:
=======
“قالَ القفلُ للمفتاحِ وللبابِ:
-أنا من يحرُسُكُمْ… ردَّ المفتاحُ :
-لا جدوى مِنكُم بدوني…
صرَخَ البابُ:
-أنا من يحميكُمْ… ثمَّ دوى الانفجارِ…
سقَطَ الحائط وصمَتَ الجميعُ..”
2 – القراءة:
وسم القاص محمد ياسين صبيح قصته بــ (الباب) هذا العنوان/ الرمز/ الدال، يحيل المتلقي بداية في ظاهره على الباب الخشبي أو الحديدي المتعارف عليه باعتباره المدخل الرئيس للبيت أو الدار أو المنزل، لكن وجوده كعلامة في النص ضمن علاقات سياقية وتركيبية لغوية يستدعي قراءة ثانية للعلامة/ الدليل/ الباب، لكن ضمن سياقات دلالية واقعية اجتماعية وثقافية، بغية الحفر في البنية العميقة للمتن.
وهكذا يتخذ لغز(الباب) تأويلا مغايرا ينأى عن السطحية إلى العمق الدلالي.. في إطار نص قصصي قصير جدا، ينحو نحو قصة بطعم سرد حواري.. يستنطق فيها القاص “محمد ياسين صبيح” الجمادات/ الأشياء الصامتة، بإضفائه عليها صفة الأنسنة لتكليمها، باعتبارها علامات معبرة بقوة عن العجز البشري، وهو ما يعرف بعنصر (التشخيص = personnification) ضمن التصوير البلاغي…
لذلك جعل سيادة “القفل” لإحكامه وتحكمه في “الباب” يتصدر الخطاب، فيخاطب المفتاح والباب قائلا: “أنا من يحرسكم” والحراسة تحصين ووقاية ومنع.. يقوم بها شخص أو أشخاص/ حراس.. والباب/ مدخل/ أو بوابة لمجتمع أو مدينة/ أو بلد أو غيره.. يقع عليه الحرس.. يردُّ المفتاح في أنانية أضخم من أنانية القفل قائلا: “لا جدوى منكم بدوني…”
وأمام هذا الوضع من الجدل النرجسي، يصرخ “الباب” في أنانية أقوى: “أنا من يحميكم”.. وفي جو من الصراع المتعالي بين الأطراف الثلاثة.. يفاجأ الجميع في غفلة من الخلاف البيزنطي بين الأطراف المشاركة بدوي انفجار قوي، خرّ على إثره قوام الجدار الذي هم به متمسكون جميعا.. وفيه تعبير عن الواقع المأساوي الذي تعيشه الشعوب العربية اختلاف فخلاف ثم صراع ثم سقوط وهلاك…
قصة دامغة، استلهمت فن التشخيص لتكليم الجماد، في حوارية سردية ممتعة.. على مستوى الكتابة، لكنها مؤلمة على مستوى الدلالة…



