“انتقام” الحركة الشعرية في بناء القصة القصيرة جدا
حيدر الأديب…
قراءة تحليلية في فلسفة النسق الشعري داخل القصة القصيرة جدا الفائز مسابقة القصة القصيرة جدا والتي تحمل عنوان “انتقام” للكاتب العراقي المبدع هيثم العوادي.
تتوخى هذه القراءة ملاحقة ورصد الأسس المعرفية التي سمحت بدخول الشعر كبنية ونسق يشكل مع السرد نسقا مزدوجا في البناء المعماري لها ولم أتعرض لكلاسيكيات التعاطي مع النص في بيان افق التأويل أو الخوض في المعطى والمغزى للقيم المتحركة في جسد الواقعة سيمائيا واختبار نوع القفلة والمفارقة فإن هذه المباحث على أهميتها الا ان النص فرض على تحليل وتفسير سلوكه سلوكا مزدوجا وهي ظاهرة رائعة بنظري أبدع فيها القاص ليس النص مستودعا للكم الدلالي محسوم البناء والمحتوى وإنما هو سجلات تربط فيها العناصر بعلاقات تؤول حركية هذه العناصر ويرتبط فهم اللغة بحياتها الاجتماعية ولا يرتبط بعوالم المؤلف بمعنى أن وجوب فهمها يتجدد كلما اكتسبت معنى من متغيرات الواقع أو تعاطى معها مجتمع ما بتحويل دلالي لما هو مودع فيها لكن الفارق الحاسم بين النص العادي والنص الأدبي هو أن الأخير رؤية تأويلة تقدم الواقع بوصفه نسخه معدلة وفق محددات سياق التجربة الأدبية وعمر العلامات الدالة في ذاكرة الواقعة إلا أنه تحديد لا يلغي و( لا يستنفد مجموع التحديدات الأخرى غير المتناهية للموضوع ) وإنما يحينها لحين ظهورات من شأنها أن تعمق أو تلغي هذه الرؤية بوصفها بناء تأويلي لا واقع راسخ وعلى هذا فإن النص هو ( مُنتج يعد قدره التأويلي جزءًا من اليات انتاجه ) 1 إذا تقدمنا خطوة بعد إحراز أن النص هو نسخة معدلة تأويليا لواقعة ما والنص هنا هو (انتقام) فإننا نرى ان مفاصله هو جمل شعرية (اخبارشعرية وصور شعرية) وهذا يعود بنا الى (أن للأنس الذهني للمؤلف ولا سيما استعماله الشعري مع معلوماته الخاصة وقبلياته تأثيرا في انعقاد ظهور خاص (للواقعة)) مما يعني أن الواقعة منقادة لمعجم العوالم الخاصة؟ فمن أين للنسخة المعدلة أن تكون قابلة للتداول وصالحة للمشترك الإنساني ولا سيما أن اللغة تفهم بوصفها ظاهرة اجتماعية؟ في الواقع إن المؤلف هنا لا يستخدم عوالمه الخاصة وإنما يستخدم (العوالم الممكنة) يمرر من خلالها المضامين المجردة إلى معادلاتها الحكائية أنه يعيد تشخيص المفاهيم في نمذجة سردية حاضنة للكفاءة الشعرية وهذه المفاهيم تختزن ممارسات الإنسان لحد أنها تبلورت إلى سياقات (الفراق / الانتقام / الانتظار وفاءً/ المكر / رد الفعل والاستغراق في الضحايا) وهذا يعني أن القصة هي أفق سياقات لا فكرة تمثلت بلغة واصفة وتعليل ذلك أننا ( نجد القصة القصيرة جدا بناءً لغويا مضغوطا بمحددات تجنيسها يستثمر إمكانات اللغة الهائلة وطاقتها التعبيرية ونجدها تصل الى أقصى درجات التوتر الدلالي مستقطبة بذلك التلازم الجدلي بين مستوى التعبير ( الخطاب ) ومستوى المحتوى ( الحكاية ) في تمثيل آليات البناء اللغوي للقص أي محاكاة الإختزال الذي هو جوهرها بوصفه مظهرا اجرائيا لمفهوم الصيغة وبطبيعة الحال يستدعي الاختزال تبئير المحتوى في لقطة خاطفة أو ومضة حادة أو بنية شعرية أو حكمة أو توقيعة أو طرفة )2 نرى من خلال هذا أن التكثيف بكل مظاهره هو توجيه سردي مسكون بهاجس استعاري خلاق جعل القصة القصيرة جدا تستوعب المنطقة الكائنة بين الشعر والنثر إن الجملة الشعرية المحسوبة بوحدات السرد هي قانون داخلي في القصة القصيرة جدا كما في هذه القصة تعمل وفق (التكثيف = اقتصادية في اللفظ + قوة قصدية في الدلالة)3 وبهذا فان القصة تعمل بنسق مزدوج تمظهر فيه البناء المعماري لها.
القصة
انتقام
لسَعَها بسُمِّ وعودِه الكاذبةِ، وقفتْ تنتظرُه على شفيرِ شغَفِها العميقِ، أوقفتْ ساعتَها في لحظةِ الفراقِ، نسجتْ خيوطَها على حدودِ الزّمنِ…
بابتسامةٍ ماكرةٍ، رسمتْ على جدارِ الذاكرةِ خطًّا لكلِّ ضحيةٍ!



