ثقافية

حديث الْمَشَّائين ورحلة السوق اليومية في لوحات صالح عبدو

المراقب العراقي/ متابعة…

 

يطالعنا الفن السوداني الأنيق من وقت إلى آخر بتجارب طازجة ومعاصرة جدا، كتجربة الفنان صالح عبدو تستقي مفرداتها من محيطها وتعتمد على مرتكزات فكرية من ثنائية الصحراء والغابة، حيث مصدر رؤى متعددة وإثنيات متداخلة وحضارات متعاقبة لفنون أصيلة، أعاد صياغتها واستفاد منها الفن الغربي الحديث في تجاور ألوانها الصريحة وتكويناتها الافريقية، من أقنعة ومنحوتات العاج والأبنوس وتجارب مدرسة الخرطوم، التي كانت نتاج تلاقح الفن العربي بالافريقي، كالتقاء بين الزخرف الافريقي والخط العربي المتمثلة في فن الشرافة، تجارب تتنوع وتتعدد، حسب رؤى أصحابها، ترتقي في خطابها التشكيلي مستعملة موضوعاتها المحلية في صياغات معاصرة، أزياء النساء بتناغم لوني جميل، أسواق ومنتجات العطارة، وألوان المنسوجات المعروضة كأنها أعمال فنية تم تأثيثها في فضاءات المتاحف المفتوحة، رحلة السوق اليومية، أسواق الماشية والحصر والفخار، المطاعم الشعبية والمقاهي العتيقة بفنها الأصيل، حديث الْمَشَّائين، تجمع المولد والحفلات الشعبية، الباعة المتجولين، الطريق إلى صلاة الفجر، رسومات الحيطان من حضارة النوبة الممتدة منذ أكثر من سبعة آلاف سنة بأنفاسها الأولى وطزاجة المنجز الفني الحديث.

سرد سيرة الإنسان في معاناته اليومية بفرحه وحزنه، في آماله وتطلعاته، قصص الحياة الشعبية البسيطة فالفنان صالح عبدو يقترب من الناس العاديين في بيوتهم وأزقة قراهم، على ضفاف النهر حيث بيوت الطين كأنها مقاطع مصورة لحلم من حياة النوبيين الأوائل، الطبيعة البكر الخالية من لعنة التكنولوجيا بكل منغصاتها، نسمات الفجر ورفقة المصلين إلى المساجد، أطفال في حالة لعب مع طفولتهم الأولى، نساء في طريقهم إلى زيارة صباحية، بائعة البخور، عربات القطار، الأشجار والنخيل، حقول ممتدة على مد البصر، ما تراه العين وما لا تراه، المهملة من صور الحياة تتحول إلى صور أكثر أهمية بفعل رؤية الفنان، فالطاقة التعبيرية الكامنة في تجربته تحول الأشياء العادية إلى حالتها الأجمل بإضفائه من روحه المبدعة ألق اللقاء ووحدة الجمال الطبيعي من ألوان متناغمة، وتكوينات تتخذ زوايا غاية في الروعة، حالة فنان يراقب الحياة بدهشة الأطفال وبوعي وتفكير المدرك لأمور التشكيل وقضاياه المعاصرة.

حديث الْمَشَّائين مثلا الفنان ينقل إليك أحاديثهم ويسمعك كلامهم بتلك القدرة الهائلة في التلوين والتعبير، واهتمامه بأدق التفاصيل بخفة وإتقان كالخوض في قضايا الوطن والسياسة عبر رحلة يبدأ بلقاء الثلاثة من السوق إلى حيث يسكن كل واحد منهم في تلك القرية، في حديث مفعم بالمشاعر الإنسانية. مائيات الفنان تحيل إلى ذاكرة أخرى أكثر جمالا وشفافية، كأنها صور من المخيلة تم استدعائها في لحظات نشوة استثنائية عابرة لشاعرية اللحظة، فالمتفرج يشارك الفنان متعة الفرجة ومخيلة التأويل، الكل ينسج قصصه الشخصية وآمالها الظاهرة والباطنة، حسب رؤيته وأفكاره، ثقافته ومعرفته التشكيلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى