ثقافية

” ليلة الحلم الإيطالي ” المواطن المفصح عن إيجابيات العراقي المعاصر للحروب و الأزمات

المراقب العراقي / المحرر الثقافي…

يرى الدكتور احمد جبار ان رواية ” ليلة الحلم الإيطالي ” وثيقة روحية عميقة عن المكان  وتحولاته التاريخية وهي تكشف عن المواطن المفصح عن إيجابيات العراقي المعاصر للحروب و الأزمات.

وقال جبار في قراءة  نقدية خص بها(المراقب العراقي): يختلق مؤلف رواية ” ليلة الحلم الإيطالي ” الأكاديمي ( ماهر مجيد إبراهيم ) المتخصص بعلم السرد السينمائي المعاصر  سارد كان ذاته الشخصية المحورية للرواية ، أعاد لنا صوغ تركيب بنيته الحكائية مستدلاً بتكنيك الكتابة الإبداعية للسينما مستوعباً أدبية السيناريو السينمائي الحديث من جهة ، وبنائية النسق السير ذاتي من جهة أخرى ، مراهناً على لغة سردية قادرة بعمق على تشكيل أفعال و ردود أفعال شخوص الرواية بدلاً من الإخبار عنها ، وهذا ما جعلنا إزاء شخصيات مركبة بعمق على مستويين ( المظهر – الجوهر ) ليجبرنا السارد ( نبيل ) بيقظته الأبدية ، وثقافته العميقة ، إذ قدم لنا المؤلف شخصية نبيل بوصفه أنموذج للمثقف العضوي العارف بتأريخ بلاده ، و المنتمي بحق لهويته كعراقي الذي أفصح عن إيجابيات الفرد العراقي المعاصر للحروب و الأزمات و الخسارات التي لا تنتهي في مجتمعه ، و حسه العالِ بالمراقبة على مدار السرد في تصفح دواخله ، و دواخل كل من يحيطه بتلقائية لايجيد صوغها إلا المتبحر بسرية السرد المعاصر الذي يراهن على سارد يحكم قبضته على تركيب بنيته الدرامية ، و يتحكم بتشكيلها وفقاً لاستراتيج تركيب زمني يسعى لأن يكون أكثر إقناعاً على المستوى الفكري و الجمالي من استراتيجية السارد العليم بكل شيء في بنائية الرواية الكلاسيكية ، إذ تتماهى أنا السارد بأنا الشخصية المحورية لا بأنا المؤلف الذي يعلن السرد الحديث عن موته لصالح سارد وسيط مشارك بالحدث بينه وبين القارىء .

واضاف :يشيد السارد ( نبيل ) معمار فضائه الروائي ، و المتمثل بمنطقة ( الكسرة ) الشعبية و المناطق الأرستقراطية المحيطة بها . مقدماً وثيقة روحية عميقة عن المكان ، وتحولاته التاريخية ، و إيقاعه الشعبي ، وجوه النفسي العام كمسرح لأحداث روايته ، التي أراها نموذجا للنص الروائي المركب العصي على التصنيف الأنواعي يستوعب بعين المراقب الدقيق ، و المنقب العميق ما حاق بالمجتمع العراقي من عنف يصل لحد التمثيل الجسدي ، و خذلان سياسي أوصل المجتمع إلى فوضى عصية على الإصلاح ، و إرباك نفسي وصل إلى حد المرض ، وتخلخل حاد لكل منظومة القيم أوصل أفراده إلى العدمية ، وبهذا يعلن مؤلف النص عن موجهاته الثقافية في مسائلة الواقع ، و الرهان على التمثيل الجمالي للسرد في استنطاق خباياه ، و رصد المتغيرات السسيوثقافية التي كان للعسف السياسي ظلاله الواضحة على تهشيم منظومة القيم تلك . وهذا ما يجعل من رواية ” ليلة الحلم الإيطالي ” بوحاً صارخاً استطاع أن يشكل قصة محورية تكتسب تعقيدها من تعدد المحاور الفرعية التي أسهمت في تشييد تركيبتها الدرامية بهدف تعرية ، و تفكيك النسق الثقافي الذي حاول التأريخ السياسي للبلاد بأقصى مدياته تشويه الهوية العراقية ، و تظليلها مراهناً على تهشيم وحدتها الإنسانية عبر خطاب الجهاز الإعلامي للسلطات التي توالت على حكم البلاد ، و تشبثها بهويات فرعية لا تؤدي بالفرد العراقي إلا للاقتتال الطائفي ، و الصراع الطبقي ، و التهجير القسري للأقليات مما جعل البلاد فضاء طارد الكل يحلم بالانعتاق  منه ، و كأن الخلاص الإنساني في مكان آخر . وهذا ما يجعل من البناء الفكري للشخصيات التي جعلنا السارد ( نبيل ) نطل عليها من خلال وعيه تشترك بثيمة أخلاقية تتشبث بهويتها الأم ( العراق ) التي تتسيد في منظورها الإنساني .

وتابع :ينفتح السرد الروائي على شخصية ( نبيل ) لتقدم ذاتها وهي في منطقة المابين ( الوعي – اللاوعي ) لتعيد إنتاج ماحاق بها وهي في طوارئ إحدى المستشفيات العراقية بعد تعرضها لأضرار جسدية في إحدى الأعمال الإرهابية التي اجتاحت المدينة بغداد ، إذ يقص علينا ما ظل موشوماً في ذاكرته من مشهد انفجار سيارة مفخخة أطاحت بالكثير ، و نجى منها بأعجوبة كبيرة ، لو نتأمل سردية هذا المشهد سنتلمس بعمق ضواغط المرجعيات الجمالية للمؤلف ، الذي يشكل لنا تركيب المشهد مستعيناً بلغته السردية بناء مونتاجي جعل من عين السارد ( نبيل ) الكاميرا التي ترصد بتحولاتها المونتاجية الخراب الإنساني الذي خلفه الانفجار لينقل لنا صورة على مستوى عالِ من البلاغة السمعبصرية مفجراً ممكنات اللغة في التعبير عن الحواس الدنيا ( اللمس ، و الشم ، و الذوق ) تجعلنا في قلب الحدث الذي ترشح بالكامل من خلال عين السارد . ثم تتكشف شخصية السارد ( نبيل ) بالتدريج بتلقائية محسوبة بدقة وعناية فائقة ، حتى تكتمل صورتها الرمزية ، و الإنسانية في آخر مقطع من الرواية إذ يعيش نبيل وحيداً بشقة متواضعة في منطقة الكسرة يكبت حزناً قاتماً وعميق بالفقد . فقد والدته التي أنفق عليها كل ما يملك ، و أفولها بعد معاناة مع المرض ، وفقد بيت الأسرة بعد صراع حاد مع أخوته الورثة لينتهي به الحال وحيداً مشغول أبداً بذاته ، و متأملاً ومراقباً لما يحيط به من نماذج بشرية اكتسبت قيمة رمزية في سياق تمظهرها البنائي في السرد فالتشبث بأمه ما هو إلا صدى عميق لتشبثه الأبدي في هويته الأصل ( العراق ) و تشظي بيت الأسرة لم ولن يبعده عن تلك الهوية عكس أخوه الذي غادر البلاد قبل مرض والدته أصلاً .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى