اخر الأخبار

المجتمـــع وســـوء الظـــن

علي العلي
من أكثر ما يبتلى به الناس في دينهم هو إساءتهم الظن ببعضهم البعض بشكل متعسف،وسوء الظن هو من الإمراض الخطيرة التي تصيب أخلاق الفرد والسلوك الاجتماعي العام،لأن من غمرت قلبه ملكة سوء الظن لا يكون منصفاً في تعامله مع الآخرين إذ هو لا ينظر إلى الناس بموضوعية ولا يقيمهم تقييماً واقعياً شرعياً،ولقد حذر الله تعالى في كتابه الكريم من سوء الظن الذي يكون في غير محله بقوله:»يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ).. والشيء نفسه فعلته السنة الشريفة إزاء هذا المرض الخطير،فقد رفعت سوء الظن الى مستوى قبح إراقة دم المسلم وغصب ماله،إذ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):»إن الله تعالى حرم من المسلم دمه وماله وأن يظن به ظن السـوء»..
إن الإنسان الواعي هو الذي ينطلق في فكره وسلوكه الاجتماعي من منطلق:عقلي،علمي،إيماني،فمثلاً إذا اقتضت الضرورة منه أن يحكم على شخصية ما أو يقيمها من جوانبها المختلفة ينطلق مما عنده من الأدلة والشواهد التي يثبت بها صحة رأيه وتقييمه,أما الإنسان غير الواعي فهو الذي يعتمد في تبني رأي أو إصدار حكم على الذوق والتخيلات والاحتمالات والاستحسانات والتي تكون في كثير من الأحيان مجانبة للواقع..في حين أن المفروض في الأصل أن يبني الإنسان العاقل أحكامه ومواقفه تجاه الاخرين على العلم والتثبت،وكما قال تعالى:»ولا تقفُ ما ليس لك به علم»..
ومن الحيثيات الأخرى للحديث عن سوء الظن هو إلفات النظر إلى أن التراث الحديثي لأهل البيت (عليهم السلام) قد بيّن أن سوء الظن ينقسم الى المذموم منه و الممدوح..
وبما أن عبارة «سوء الظن» يصنفها وعي عوام الناس أولَ ما يتلقاها على أنها من الممارسات المذمومة،فسنتناول أولاً الحديث عن إساءة الظن المذمومة،فهي على أنحاء عدة أهمها:
ـ التهم الوهمية..إذ تمثل هذه سوء ظن ينطلق بغير دليل أو برهان عقلي أو شرعي وبناء على احتمالات وأوهام،ومن ذلك أن يظن الظان أن بأخيه رياءً حين يراه يعمل عملاً حسناً كأداء صلوات النوافل،وكأنه سبر أغوار قلبه واطلع على نياته الباطنية التي لا يعلمها إلا الأقرب إليه من حبل الوريد.
ـ العجلة في تقبيح الأعمال التي يوحي ظاهرها بأنها سيئة..ومن ذلك أن يرى البعض مثلاً أن شخصاً ما يتناول المفطر في نهار شهر رمضان،فيعده بدون دليل فاسقاً لتركه فريضة الصوم غير آخذ بنظر الاعتبار احتمالية كون الشخص المفطر هذا متوفراً على مسوغ شرعي للإفطار،كالمرض أو السفر وغيرهما.
ـ سوء الظن القسري:وهو سوء الظن الذي لا يترتّب عليه أثر خارجي،فهو خارج تماماً عن دائرة اختيار الإنسان وإرادته، ولا يمكنه إزالته بشتى الوسائل،فمثل هذا الظن السيئ لا يكون مشمولاً للتكاليف الشرعية ما دام الإنسان لم يرتّب عليه أثر معيّن،ولهذا فإنّ سوء الظن هذا الذي يقفز إلى ذهن الإنسان بدون اختيار منه لا يكون مورداً للذمّ والعقاب بمجرده،فهو من حديث النفس,وحديث النفس مرفوع عنه قلم التكليف.
أما إساءة الظن الممدوحة في التراث الحديثي لأهل البيت(عليهم السلام) ..فيتم إدراك أهميتها من خلال ما ورد عنهم (عليهم السلام) من بعض الروايات التي مفادها أن سوء الظن في بعض الموارد والظروف يكون مطلوباً،فعن الإمام الهادي (عليه السلام):»إذا كان زمانٌ العدل فيه أغلب من الجور فحرام أن يظن بأحد سوءاً حتى يعلم ذلك منه،وإذا كان زمان الجور أغلب فيه من العدل فليس لأحد أن يظن بأحد خيراً ما لم يعلم ذلك منه».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى