“ثلاثية العازبون” تضارب المصالح في المجتمع الباريسي

فاطمة بو مدين..
توضح ثلاثية العازبون «Les célibataires» للناقد و الصحفي الفرنسي أونوريه دي بالزاك هجوما شرسا من طرف الكاتب على هذه الفئة وبكل ضراوة، رغم أنه لم يكن يوما عدوًا للعزوبية بل كان عدوا لحماقات العزوبية، و حقد العزوبية، وسخافة العزاب. كل هذه العوامل جعلته يحمل قلمه ليرسم لنا لوحة تبهرنا و تملأ نقص العزوبية فينا. وليصل الى الهدف المنشود حرك عدد كبير من الشخوص داخل هذه الثلاثية مشكلا لنا جدارًا أدبيًا حصينًا موضحا لنا بطريقة غير مباشرة تفكير الإنسان الباريسي في تلك الفترة فرسم لنا خطوط بلهاء تمثلها عائلة آل روغرون في رواية بيريت وهي شخصية أثرت عليها العزوبية رغم أنّ القانون السابق لايمسها بشي، لكن الوحدة مستها أثرت بها وقيدتها فصارت كُرةً بين الإخوة روغروّن ولم تتخلص منهم الا بالموت، فكانت هذه الرائعة منهج تشهير اِنساني، اِجتماعي، ديني، سياسي، و أدبي لمّا أحدثته من أثر في نفسية القارئ و المجتمع الباريسي و العالم ككلّ.
“بيريت” «pierrette« التي وقعت أحداثها حسب تسلسل الرواية مابين بريطانيا و فرنسا تصف بعمق ضحية من ضحايا تضارب المصالح في المجتمع الباريسي نتيجة اليتم وهو حصيلة قدرة ربانية و كذا التأثر بالطبقية و الرغبة الشديدة في حظور صالونات الترف ولقاء البرجوازيين وكيف يتدخل الإنسان في ِافساد حياة ِِانسان آخر وهذا ما عبر عنه الكاتب بإستعمال الإخوة روغرون كشخصيات رئيسية لعبت دور الأنانية و الطمع و الحقد و الحسد ضد الصغيرة بيريت. معتمدًا فيها على اللغة السردية النابضة، السهلة و الممتنعة التي تخاطب روح القارئ قبل عقله مستعملا أفعال الحركة و السكوّن كما أن اِعتماده على اللغة و الحوار الغير المباشرة جعل الرواية وِانّ كانت محاكاة للواقع تظهر على أنها الواقع نفسه. فكل ماتحمله مابين طياتها يجعل من القارئ يحس أنّه شخص من شخوص الرواية وليس مطالعا فحسب.فنراه يحزن لحزنها ويفرح لفرحها.و دائما ماكانت روايات دي بالزاك تنتهي بنهاية حزينة و pierrette واحدة من هذه الروايات و ربما اِقبال المثقفين على هذه الرواية وعلى هذا النوع من المآسي هو ما جعل بالزاك العظيم يبدع في باقي فصول الثلاثية فجاءت بعد ذلك مباشرة رواية «كاهن تور»«Le curé de Tours» التي تمثل مؤشر التضحية النادرة التي تحمل بين طياتها أربع صور متباعدة تبرز خلفية العازب من ناحية الفضائل و المساوئ ووقعت أحداثها حسب ماجاء في الرواية بمنطقة تور و الأنطش و كنيسة غاتمان منذ بداية خريف سنة 1826 وجسد وقائع هذه الرواية كل من الشخصيات التالية:الأب بيروتو، السيدة دي ليستومير و الآنسة غامار و الأب و الكاهن الشرير تروبير و السيد ديبوربون…الخ



