أهازيج المهوال تهز الوجدان في ثورة العشرين قامت الثورة على صوت المهوال وأراجيزه

“حسجة” صياغة القصائد والاهازيج الخاصة بـ “الهوسات” حركت أسباب الثورة، المتراكمة في الوجدان العراقي، ضد الاحتلال البريطاني، عام 1920. تفجرت مباعث تلك الاسباب، وإستعر الجمر، الهامد على أهبة الاتقاد، من الرسالة الشفاهية التي بعثها شعلان ابو الجون.. شيخ عشيرة “الظوالم” في السماوة، الى إخوته وأبناء عمومته، وهو رهن التوقيف.. خلف قضبان مركز الشرطة.
نصت البرقية على: “إبعث لي عشر ليرات ذهب” مرمزا بها لعشرة شباب أشداء قادرين على قهر الشرطة وانتشاله من التوقيف.
بهذا يكون ابو الجون قد أسس للمدرسة الرمزية، في الخطاب الشعبي، وحقق ما نظّر له رولان بارت، في ما بعد، بدراسات تعنى بتأطير “المرسل” و”الرسالة” و”الوسيلة” و”المتلقي” لتكتمل اركان الفلسفة البنيوية، كعلم أخذ مداه، وقد سبق أبو الجون فطريا الى ما قعدته الجامعات أكاديميا.
ميدانياً.. وظف شعراء الفرات الاوسط، الإهزوجة والقصيدة، في سبيل حث الوجدان الثوري على التفجر، منفلتا من حكمة التروي والخشية والتردد. وهم لا يتسلحون بأكثر من بنادق “أم الصجم” وخناجر وعصي و”مكاوير” وما اليها، نظير القوة التقليدية المعروفة عن جيش الأمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
عد دخولهم المعركة، نفاذا الى حومة التشبب بالموت الكريم عشقا وكره الحياة الشحيحة: “الزناجل قصن بكفي وعادة.. بباب السجن خل أكنس وعادة.. كل رجل العليه موته وعادة.. من أموت إهدان شيكولن عليه”.
استثمر المهوال قوة تأثير الإهزوجة و”الهوسة” في الناس واستجابتهم لها، محققا هيمنة عاطفية، توارب عند حدود المنطق الحماسي، للشعور بأن الأرض والعرض والدين مداهمات بالوجود الإنكليزي، وسوى هذا المنطق لا توجد طروحات تلامس شغاف مشاعر الفلاح غير المتعلم، والذي يظن حدود العالم لا تتخطى مزرعته وحقول العشائر المحاددة لهم.لذا تنوعت الاغراض التي ذهب اليها شعراء ثورة العشرين، من حيث بعث الحماسة في المتلقي، وإكبار روح الاستشهاد، خلودا.. بقرينة الجنة “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون” ما يبلغ الحدود القصوى اقترابا من درجة التحريم، لمن يطلق كلمة “ميت” بحق الشهيد!
ولم يقف الحث عند الغيبيات والجوانب الدينية المقدسة والقناعات الاخروية ذات العمق الاعتقادي الغائر في تراث حي يتجدد ما دام الله.. سبحانه وتعالى ينظرنا من علياء السماء، الى يوم الدين، إنما ربط الرجولة والحمى والغيرة
وشرف الاخت والزوجة والجارة والأم، بالاشتراك في الثورة، ومن يتخاذل عنها، كانما يمنح فرصة للمحتل كي يداهم شرفه الشخصي، بشهادة الحوارية الشهيرة، حين جيء لأم بولدها شهيدا: “جن لا ربيتي ولوليتي” فردت: “ربيت ولوليت لهذا”.
تنوعت الاغراض بدراية مدروسة من قيادة الثورة في الحوزة العلمية بالنجف؛ هادفة الى ممارسة التأليب العاطفي والديني من خلال الشعر والهوسات وترديد الآيات القرآنية الكريمة.
خيال منطقي صرف مؤسس هندسيا على وعي عارف بتلافيف أدمغة هؤلاء الناس.. ماذا تريد وبماذا تفكر، وكيف تتحمس لتبني قضية ما وما المجسات التي يمكنها التحكم بإنعفالاتهم؟.
كل تلك القناعات كانت تضخ من خلال القصيدة، والتعبير “الحسجة” لأن السواد الاعظم.. بنسبة 99بالمئة وتسعة أعشار، المشاركين في الثورة، أميون.. لا يقرؤون ولا يكتبون، والفصحى بالنسبة لهم لغة أجنبية تماما.
عمدت قيادة الثورة، الى تأليب الثوار من خلال الإهزوجة، منتدبين الشعراء والمهاويل المحترفين، يوظفونهم، في تحقيق الهدف الأسمى لها، من خلال تشبع الإنسان البسيط، بأسباب شخصية للثورة، لخصها القادة بـ “الدين” و”الشرف” و”الكرامة” و”الارض” و”العرض” وتلك كلها ما كانت لتصل، لولا ان يخاطبوا بلهجة شعبية، تمرر من خلال الهوسة التي تجمع قفزات جسدية، تدل على قوة البدن، وترديد جملة ساحرة الجمال بمقاييس “الغيرة” و”الناموس”.
لذا قامت ثورة 30 حزيران 1920 على الاهزوجة، التي يرتجلها المهوال، والقصيدة التي يسطرها الشاعر، ومن خلالهما تبلورت قناعات متكاملة.




