ثقافية

بلند الحيدري.. صاحب الحداثة المقترنة بالفلسفة والساعي نحو “الاستقلالية الشعرية”

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…

يرى الناقد د. حسين الهنداوي ان الشاعر بلند الحيدري كان من اوائل الساعين الى كسر جاهزية الكلمات والعروض والموسيقى الداخلية، ولديه الميل الجامح الى إعلاء مشاعر الوحدة والصمت تؤكد هاجس بلند المبكر نحو “الاستقلالية الشعرية”.

وقال الهنداوي في مقال خص به (المراقب العراقي):لم يتردد الشاعر العراقي بلند الحيدري من إخبارنا مراراً بأنه تأثر في شبابه بالتيار البودليري في الشعر العربي ممثلاً خاصة بمحمود حسن إسماعيل والياس أبو شبكة وعمر أبو ريشة وسعيد عقل الى جانب الإعجاب المبكر بقصائد شعراء المهجر النابضة بوجدانية حارة وذاتية،وعواطف رومانسية جيّاشة بالمرارة والغربة والضياع والمنفى، والدائرة حول موضوعات «فلسفية» مجردة وغامضة كالحياة والفناء والروح والخلود والزمان والعدم وهو ما ميّز قصائد “همس الجنون” لميخائيل نعيمة خاصة وكانت عامل شهرته السريعة.

واضاف :والحال إن هؤلاء جميعاً هم جسر ثورة الحداثة النوعية التي أدت الى تطور الشعر العربي الحديث لاحقاً على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي ومحمود البريكان وأيضاً حسين مردان، كل في مجاله وفي خضم مخاض معقد تماماً كمخاض الثورة التي جرت داخل الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر وأدت إلى ظهور تيار الحداثة فيه على يد بودلير ورامبو وفيرلين ولوتريامون ومالارميه فيما لعب ورد زورث وكوليردج وشللي وكيتس وبيرون الدور نفسه في الشعر الانكليزي.

وتابع :وفي تأكيد على الأبعاد التلقائية والعاطفية لروح تلك الحقبة المقترنة بالأزمات العالمية الكبرى والاستفهامات الكونية والهزات الشاملة والتمردات العميقة، يرد هذا النصّ على لسان بلند الحيدري: “هنالك في بغداد الأمس كان الواحد منّا يحاول أن يجد لما تراكم في نفسه من قلق وهلع وخيبة متسعاً في الأدب يثبت فيه قيماً جديدة تتناسب مع أحاسيسه وتفهمه العاطفي لمشاكل العالم. كان العالم يتحدث بصوت مبحوح عن جريمة قتل مرعبة حدثت في هيروشيما، وعن انتحار كاتب ألماني في البرازيل، وعن طالب بعث برسالة إلي الرئيس الأميركي يسأله عما إذا كان عليه أن يتمّ دراسته بعد أن اخترعت القنبلة الذرية. وكانت صحف بغداد تتحدث عن تاجر خلط الدقيق بنشارة الخشب وقدّم خليطه خبزاً للناس… كانت تحملنا قصاصات من ورق عبر أمسيات كثيرة من مقهى إلى مقهى، لنستمع إلى هذه المحاولة الجديدة، وننتقد تلك القصيدة ونحن نحاول أن نفلسف العالم من حولنا. وظلّ البعض منّا يحاول يائساً أن يوفق بين ماركس ونيتشه لينتشل نفسه من صراع مر” .

واكمل : ان بلند الحيدري مولود في 26/9/1926 لعائلة كردية ميسورة تقطن ما بين أربيل والسليمانية إذ كان والده ضابطاً في الجيش العراقي فيما والدته هي فاطمة بنت إبراهيم أفندي الحيدري الذي كان يشتغل منصب شيخ الإسلام في إسطنبول. لكن الثابت أن بلند، ويعني “شامخ” باللغة الكردية، والذي لم يشأ إكمال دراسته الثانوية آنذاك، كان كثير القراءة في شبابه للنصوص الأدبية والفكرية المترجمة المتوفرة ثم صار معجباً أشد الإعجاب بالشاعر الفرنسي شارل بودلير والشاعرين السوري عمر أبو ريشة واللبناني الياس ابو شبكة بل حاول في الاربعينيات استلهامهم في شخصيته كما أبدع بعض القصائد الرومانسية العمودية في تلك السنوات مما يجعله سلفاً من أوائل المجددين في بنية القصيدة العمودية في العراق باتجاه الرومانسية الأصلية.

واشار الى ان النزعة القوية الى الدرامية الرومانسية والى كسر جاهزية الكلمات والعروض والموسيقى الداخلية، والميل الجامح الى إعلاء مشاعر الوحدة والصمت تؤكد هاجس بلند المبكر نحو “الاستقلالية الشعرية” كما نحو وضع بصمته العراقية الخاصة على تلك القصيدة وكل قصائد مجموعته الأولى “خفقة الطين” ما جعل مارون عبود يقول “ليس فينا من قدر الصمت، واستوحاه.. كما استوحاه هذا الشاعر، وقل في الأدب العربي من أوحت إليه الطريق ما أوحت إلى بلند الحيدري”.

وفي الواقع، إن مقارنات وتلميحات باهتة كهذه، والتي رددها بعض النقاد المتعجلين، تبدو قسرية نظراً الى أنها تستهدف غالباً، لسبب أو آخر، إغفال أصالة وديناميكية الطاقة الشعرية لهذا الشاعر في تلك المرحلة التاريخية المتزامنة مع أجواء صدمة الحرب العالمية الثانية التي استمرت لسنوات وشهدت مصرع الملايين منتصف اربعينيات القرن الماضي حيث كانت مشاعر فقدان الأمل تسود العالم لا سيما العالم العربي الذي خرج إنسانه محبطاً سياسياً وعاطفياً وهو ما عبر عنه الشعراء والفنانون بتيارات وحركات متمردة، أبرزها شعراء المهجر وجماعة أبولو وغيرهم الذين عبر كتاباتهم الخاصة وعبر ترجمة النصوص الأدبية الأوروبية الى علي محمود طه ، وإبراهيم ناجي وأبي شبكة على وجه العربية، ساهموا في انبثاق تيار رومانسي في المنطقة والعراق عبر عنه عدد من القصائد المهمن نشرت في الجرائد العراقية والمجلات العربية ، وبعضها نشرت خارج العراق ، منها أهم قصائد (أزهار ذابلة) للسياب، و (عاشقة الليل) لنازك الملائكة وأيضاً قصائد ديوان بلند الحيدري الأول (خفقة الطين) الذي كان بمثابة إعلان عن ولادة شاعر كبير لم ينف يوماً استفادته ليس من سابقيه وحسب بل من معاصريه أيضاً.

ولفت الى ان الحيدري قال في محاضرة له: “في تلك الفترة نشأنا بالقرب من تجربة الجواهري، والياس أبي شبكة، وعمر أبي ريشة، ومحمود حسن إسماعيل.. وكذلك تجربة شعراء المهجر، ولا سيما إيليا أبو ماضي ونسيم عريضة. وكنا نحاول أن نلتقي ونفترق في آن واحد.. لأن العصر كان يمر بمنعطف، وهذا المنعطف كان يجمع ويفرق في آن واحد.. وإذا كنتم تسألونني عن المضمون، فإنه بلا شك هو الذي يغير الشكل، ولكن ليس بالضرورة أن يكون المضمون تجديداً تقدمياً.. ما نقوله نحن في التجديد في الشكل قد لا يكون تقدمياً، ولكن ثمة مضامين فرضت تغييراً في الأشكال “..

وختم :ان الحيدري ومثل غيره من رواد حركة الشعر العربي الحديث المعاصرين له، فإن شعر بلند عبّر عن الشعور بالخيبة الذي اكتنف العصر الحديث في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما عبّر عن ذلك الشاعر البريطاني وديزموند ستيوارت الذي ترجم أشعار بلند الحيدري الى الإنكليزية في عام 1950.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى