عسكرة العشائر العراقية بين الماضي والحاضر النشاط البريطاني وعلاقته بعشائر العراق حتى الحرب العالمية الأولى

د. معتز محيي عبد الحميد
استطاع جيزني باساليبه السياسية التي تعضدها مدفعية الباخرة الفرات أن يعقد اتفاقية مع شيخ عشائر عنزة باسم ملك بريطانيا وبعث بها إلى رئيس الوزراء البريطاني بالمرستون Palmerston الذي رحب بعقدها حيث مكنت الإنكليز من التدخل في أمور الصحراء الشامية، وأن تجعل من عنزة عضدا لهم ضد أي هجوم على العراق . ومع أن بعثة الفرات لم تصادف مقاومة تذكر من قبيلتي عنزة وشمر الجربا – وربما كان هذا بسبب الاتصالات البريطانية المبكرة، فأن البعثة لقيت مقاومة عنيفة من جانب العشائر الصغيرة. وترجع هذه المقاومة إلى عوامل دينية وسياسية .
وتعد مقاومة عشيرة بني حكيم لبعثة الفرات المقاومة الأولى الجدية التي صادفت البعثة وكانت هذه العشيرة تنزل بمنطقة الخضرة .
أما جيزني فيعلل هذه المقاومة من جانب عشيرة بني حكيم لخطأ ارتكبته البعثة في اقتطاع شجرة مقدسة عندهم، وقد ازدادت مقاومة العشائر العربية كلما تقدمت البعثة جنوبا من سوق الشيوخ لاعادتها من حيث أتت ومنعها من متابعة سيرها في الفرات حتى لا تصعد إلى دجلة . بل أن شيخ المنتقك أصدر اوامره فعلا بعدم التعاون مع البعثة وعدم تموينها بالفحم أو المؤن الأزمة . كما هدد بأنه سيحرق الباخرة اذا مرت بديرتة ولم يثن الشيخ عن متابعة مقاومة البعثة سوى خشيته مما سيترتب على ذلك من دخوله في نزاع مع حكومة بغداد .
مع هذا فقد لعبت عوامل أساسية اضعفت مقاومة العشائر لبعثة جيزني هي عدم وجود قيادة عليا تنسق اساليب المقاومة. كذلك فأن افتقاد العشائر إلى التأييد الحكومي لمقاومة البعثة قد أضعفت هذه المقاومة . وقد أثبتت مقاومة العشائر العربية للباخرة الفرات بجلاء أن مثل تلك المشروعات كانت بغيضة مكروهه من أهل البلاد .
أن توسع حركة الملاحة النهرية البريطانية حسب رأي المقيم البريطاني العام رولنسون H.Rolinson (1843-1854) قد أوجب استخدام البواخر البريطانية الحربية الموجودة في العراق حتى اذا كان في ذلك استفزاز للاهالي أو محاولة لعقد اواصر صداقة مشبوهة مع بعض شيوخ العشائر العربية . ومن أجل وضع حد لمقاومة القبائل لسفن الملاحة البريطانية فقد أقترح المقيم البريطاني روبرت تايلر (1821-1842) على داود باشا إقامة مفارز مراقبة يقيم فيها جنود بريطانيون على طول نهر الفرات لحماية الملاحة فيه من الجهات التي قد تتعرض لها من العشائر القاطنة على جانبي النهر. ولكن الوالي رفض هذا الاقتراح لانه رأى ان وجود جنود بريطانيين بإمرة المقيم في مناطق متعددة من الولاية معناه ترسيخ السيطرة البريطانية فيها، وهو ما يطمح إليه المقيم البريطاني .
وبناء على طلب المقيم البريطاني رولنسون فقد عادت الباخرة نيتو كريس إلى المياه العراقية في 1847 ولعبت دوراً رئيساً في احتكار النقل النهري بوساطة السفن البريطانية وفي تقوية النفوذ البريطاني إلى حد خطير في العراق خلال السنوات التالية. وتبين هذا من الأحداث التي وقعت بالعراق واشتركت فيها هذه الباخرة اشتراكا فعليا وابرز هذه الأحداث هي ثورة عشائر الهندية ضد الحكومة العثمانية في أواخر حكم الوالي نجيب باشا عام 1847 . ومن جهة أخرى أصبحت الملاحة في نهر دجلة تحت رحمة هذه العشائر. وتوقفت سفن التجار الوطنيين بينما ظلت السفن البريطانية تجوب النهر تحت حماية الباخرة نيتوكريس دون أن تهاجمها تلك العشائر الثائرة .
![[op]op](https://www.almuraqeb-aliraqi.org/wp-content/uploads/2015/07/opop1-1024x675.jpg)



