دور المثقفين إزاء ترشيح الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق

كان البريطانيون يرون في العراق (الموقع الستراتيجي الأعلى في الشرق لقوس المواصلات البرية البريطانية) ، كما اعد لذلك قادتهم في بريطانيا ، فقد (هيأوا له وأعدوا سياسة ووقائع ترمي إلى أحداث دولة واحدة ، أو عدة دول تكون جزءاً من سلسلة من الدول الصديقة الكائنة ما بين أوربا والهند ، وان تدار دفة هذه الدولة بحسب رغبات سكان العراق ، لكنها مقرونة بشروط من شروطهم المعروفة والكثيرة ، وهي اتفاق الرغبات هذه مع الارشاد البريطاني الدقيق المقترن أساساً مع السيطرة البريطانية) .
لقد فشلت توقعاتهم في العراق بعد الاحتلال لاسيما عندما فرضوا الانتداب عليه فكان رد العراقيين عليهم هو الثورة الوطنية الكبرى .كان مؤتمر القاهرة في آذار 1921بمثابة نقطة البداية المهمة للدعاية البريطانية لترشيح فيصل لعرش العراق ، والعمل من أجل ازاحة المطالبين الآخرين به ، وعلى رأسهم وزير داخلية الحكومة العراقية المؤقتة طالب النقيب الذي كان أكثرهم تحمساً للموضوع ، فتم اخراجه من البلاد ، ونفيه إلى الهند في السادس عشر من نيسان عام 1921 بعملية مسرحية غريبة ، تحولت إلى إشارة واضحة للمرشحين الآخرين . انعكست هذه الأحداث المهمة في تاريخ العراق المعاصر على مواقف الفئة المثقفة العراقية لاسيما الصحافة العراقية التي أخذت تتحدث شعراً ونثراً عن فضائل فيصل وأرجحيته وتؤكد لسان تشرشل(W Churchill ) ان الحكومة البريطانية تعتقد ان انتخابه يعني التوصل إلى (حل ينطوي على أكبر الأماني في مستقبل سعيد) وهو ان ينال العراقيون الاستقلال.
عملت الصحافة العراقية في تلك المدة على إظهار الاتجاهات العامة للشعب التي تؤشر ميولهم نحو مرشحيهم ، وعن شكل النظام الذي يتبعه من يتولى إدارة شؤون البلاد العامة ، وبرزت في هذا الميدان السياسي جريدة العراق وكانت من الصحف السباقة لتغطية الحدث المهم في حياة الشعب العراقي. ودافعت بحماس شديد في الترويج للبيت الهاشمي وأظهرت الجريدة رغبتها في ان يتولى عرش العراق أحد أبناء الشريف حسين بن علي .
فقد نشرت جريدة العراق مقالاً في 4/أيار/ 1921 وصفت فيه البيت الهاشمي بأنه (أقدم البيوت حباً ونسباً ومجداً ، وأنه فرع من فروع الشجرة الطاهرة النبوية) . كما واصلت الجريدة إبراز الغاية في الملكية من خلال إظهار محاسن البيت الهاشمي ، وطرحت تساؤلاً في مقالها : (من يجب ان يكون ملكاً على العراق) ، وأجابت عن تساؤلها ، بأن غاية الملكية هو ان يكون الحكم للأمة أما الملك فأنه تابع لإدارتها ، واختياره من هذا البيت يمنح العراق مركزاً سامياً.واستعرضت الجريدة في مقال آخر دور فيصل في الثورة العربية ومؤتمر الصلح وتغنت بمزاياه السياسية والعسكرية ، وانه (نابغة العرب في القرن الرابع عشر الهجري) . وأضافت موجهة الجريدة كلامها إلى العرب أنه (من حق العرب ان يفتخروا بفيصل كما يفتخر الألمان ببسمارك والايطاليون بغاريبالدي) .
لقد أكدت جريدة العراق موقف الفئة المثقفة العراقية في مؤازرتها للأحداث المهمة في العراق ، كتأييد الملك فيصل في اعتلائه عرش العراق . وبالمقابل أتاحت الجريدة الفرصة أمام الأقلام الحرة لنشر آرائها على صفحاتها والتي عبرت عن جهاد الشعب العراقي في سبيل الحرية والاستقلال ومساهمتهم في النهضة العربية ، ففي مقال تحت عنوان : (حول عرش العراق) ، قال كاتبه (عراقي مفكر): “ان النهضة العربية اشترك فيها كثير من أبناء الشعب العراقي وجاهدوا في سبيل الحرية والاستقلال” ؛ وقد أنهى مقاله قائلاً : “بما ان العراق للعراقيين ، يجب ان تعطى الرئاسة لأحد أبنائه”.
ان موقف هذا الكاتب (عراقي مفكر) قد مثل رأي قسم كبير من أبناء الفئة المثقفة العراقية فيمن يتولى الرئاسة ، وأكد ضرورة ان تكون الرئاسة للعراقيين إشارة منه إلى ان الملك فيصل وان كان عربياً فهو ليس عراقياً.
انبرى للرد على هذا المقال عدد من المثقفين العراقيين الذين يؤيدون ويروجون للبيت الهاشمي بأكثر من مقال تدحض هكذا آراء لا تؤيد تنصيب احد أبناء الحسين بن علي ، وساهمت بصورة فعالة جريدة العراق في التصدي للأصوات المعارضة للبيت الهاشمي ، ففي رد مباشر على المقال السابق (حول عرش العراق) ، نشرت الجريدة مقالاً يحمل نفس العنوان (حول عرش العراق) دعت فيه العراقيين ان لا ينسوا فضل الأسرة الهاشمية على الأمة العربية . وانه لن يكون هناك رجل تجتمع فيه الصفات ليكون ملكاً على العراق من غير الأسرة الهاشمية. كما واصلت جريدة العراق تأييدها لترشيح أحد أبناء الحسين بن علي ، فهي ترى أنه لا يوجد أحد أحق من أبناء الحسين بن علي في تولي عرش العراق، وطرحت تساؤلاً . مضمونه انه يوجد بين العراقيين رجال ، كل واحد منهم يتصف بالحكمة واصالة الرأي ، ولكن هل يتفق عليه الشعب، إشارة إلى مقال (عراقي مفكر) الذي دعا فيه كاتبه إلى ان تكون الرئاسة بيد أحد أبناء الشعب العراقي .
كانت الدعايات والاراء كثيرة تروج للملك فيصل وللبيت الهاشمي ، فقد نشرت جريدة العراق وحدها بهذه المناسبة بين العاشر من نيسان 1921 وحتى نهايته سبع عشرة كلمة تضمنت أغلبها التشويق للملك المنتظر ، وخمس كلمات اختصت بالرد صراحة على الاعتراضات التي وردت ضد تنصيب الملك فيصل وبذلك حاولت اقناع الشعب العراقي بأن زمام الأمور بيده ، فما عليه إلا ان يختار الشخصية الجديرة بعرشهم ، لكن مجلس الوزراء العراقي بتاريخ الحادي عشر من تموز 1921 قرر بالاجماع المناداة بالأمير فيصل ملكاً على العراق.
استمرت الحملات الاعلامية والدعائية التي كان يقوم بها المثقفون العراقيون لتأييد فيصل ملكاً على عرش العراق واتخذت حيزاً واسعاً في الشارع العراقي طغت من خلاله على الاتجاه المناقض لفكرة تولي فيصل عرش العراق وولدت قناعات لدى أصحاب هذا الاتجاه بأن فوز فيصل بات حقيقية واقعة .
فقد تراجع الكثير من أصحاب الاتجاه المضاد لترشيح فيصل عن مواقفهم وآمنوا برغبة الثوار والشعب والحكومة المحتلة ؛ ومن هؤلاء المثقفين الذين تراجعوا عن اتجاههم المعارض لترشيح فيصل ، سليمان فيضي الذي تخلى عن مساندة صديقه طالب النقيب لأن ” الثوار والشعب والحكومة المحتلة” أجمعت على تأييد فيصل على حد تعبيره ، كما سلك مثقفون آخرون الاتجاه نفسه في التراجع عن مهماتهم التي كلفوا بها لمعارضة فيصل .
فقد اعتذر مزاحم الباجه جي للشيخ خزعل الذي كلفه بالدعاية له لعرش العراق ، وكشف له عن الصعوبات التي يلاقيها وان مهمته أصبحت “عسيرة ومن اصعب الأمور( لا بل هي من المستحيلات).
اتخذ تأييد فيصل ملكاً على العراق عند بعض المثقفين العراقيين اتجاهاً متطرفاً في الحماسة ومبالغة شديدة في إظهار الدعاية الاعلامية للنظام الملكي المنتظر . ومن هؤلاء الأخوان (رشيد ومحمد الهاشمي) وهما صحفيان ، فقد كانا من أشد المتحمسين لفيصل والنظام الملكي ، حتى أن أحدهما (رشيد الهاشمي) تخلى عن عمله في جريدة “دجلة” إذ كان يعمل محرراً فيها لأنه شعر ان اتجاه الجريدة يؤيد النظام الجمهوري، كما قام اخوه (محمد الهاشمي) بحملات دعائية إعلامية تؤيد فيصل ، من خلال نشره للمقالات والقصائد الحماسية التي تمجد فيصل وتشييد بدوره القومي ومؤهلاته لعرش العراق . قبل ان يصل إليه .
ومن المواقف المسجلة لدور المثقفين العراقيين في خضم الأحداث الوطنية ، لاسيما ترشيح فيصل لعرش العراق ، ان شاعر ثورة العشرين محمد مهدي البصير قدم كتاباً خطياً في السادس عشر من تموز 1921 وقدمه لفيصل معلناً فيه مبايعته له وكان محمد مهدي البصير من أشد المعجبين بشخصية فيصل ، حتى انه نظم قصيدة فيه ونشرها بعنوان (فيصل في عالم الخيال) في عام 1919 ،أي قبل ترشيح فيصل لعرش العراق بمدة طويلة ،
ومطلع القصيدة ينم عن التأييد والاعجاب اللذين يحملهما الشاعر للملك فيصل . كما بادر محمد رضا الشبيبي في آواخر عام 1920 إلى إظهار موقفه في ترشيح فيصل لعرش العراق ، في كتاب خطي قدمه إلى رجال ثورة العشرين عندما سافروا إلى الحجاز بعد انتهاء الثورة ، ذكر فيه :(ان العقلاء والمفكرين يتفاءلون خيراً ، خصوصاً وأقول سمو الأمير فيصل وأصغي إلى أقوال المخلصين العاملين من أهل البلاد وخاصة أولئك الأبطال المجاهدين الذين اشتروا استقلال العراق بدمائهم وأموالهم).
تتابعت مواقف المثقفين العراقيين بمختلف اتجاهاتهم الثقافية والفكرية ، تؤيد فيصل بن الحسين ملكاً على عرش العراق ، مما يعكس النظرة المستقبلية لهؤلاء المثقفين وادراكهم للواقع الذي يسيرون في فلكه .
كما أدرك المثقفون العراقيون مؤشرات عدة تدور حولهم تنم عن تصميم بريطانيا على تنصيب فيصل ملكاً على عرش العراق وأنها تدعمه اعلامياً وسياسياً إضافة إلى القوة التي تتمتع بها بريطانيا فانها ستسند بها فيصلاً في حال مقدمه إلى العراق ، فقد كانت بريطانيا في تلك المرحلة من أكبر الدول الاستعمارية وهي الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس (بريطانيا العظمى) كما تطلق على نفسها . وما تملكه من اسباب القوة العسكرية والسياسية لقهر الشعوب لإرادتها.
من اجل ذلك شكلت الرؤى الجديدة التي أفرزتها الظروف السياسية في العراق في تلك المرحلة هاجساً ايجابياً لدى المثقفين العراقيين . فعلى الرغم من اختلاف اتجاهاتهم السياسية والفكرية إلا انهم اجتمعوا في نهاية المطاف على رأي سياسي ان لم يكن موحد فهو متقارب في ترشيح فيصل ملكاً على العراق .
فالمثقفون الوطنيون الذين وقفوا في الجبهة المعادية للدولة العثمانية ثم وقفوا ضد الاحتلال البريطاني قد آمنوا بأن طريق (خذ وطالب) ، والكفاح على مراحل وفي إطار زمني متدرج مدروس هو الطريق الأسلم، كما أدركوا المقارنة بين قوة بريطانيا السياسية والعسكرية مع درجة تطور المجتمع العراقي آنذاك .
أما القسم الثاني من المثقفين العراقيين ، فقد رحبوا بالتغيير الجديد الذي حل محل دولة الاتحاديين ، كما ان رغبتهم في الحصول على المنافع المادية في العهد الجديد ، والوصول إلى السلطة ، ولدت لديهم القناعة الكافية بالرضا والاستسلام لما تريده بريطانيا ، وكان ترشيح فيصل من جملة الارادات التي تريدها بريطانيا ، وعلى الرغم من كل التغييرات التي حدثت في العراق اندفع المثقفون العراقيون المؤيدون للنظام الملكي الجديد في المساهمة الفعالة في إظهار التأييد لفيصل والتخلي عمن يقف ضده أو ممن لا يرغب في ترشيحه على عرش العراق .
ومن هؤلاء المثقفين الذين رفضوا ان يتخلوا عن مناصرة فيصل والدعاية له ، عبد الغفور البدري صاحب جريدة الاستقلال البغدادية ومؤسسها فقد رفض عرضاً مالياً مغرياً قدمه له طالب النقيب وقيمته اثنا عشر ألف روبية مقابل عدم ذكر اسم فيصل في جريدته ، إلا انه (رفض العرض بأباء واستمر على السير في جريدته وفق منهجها الوطني المعروف ، وهي تدعو الناس إلى المطالبة بفيصل ولا ترضى عنه بديلاً000). ومن المثقفين العراقيين الذين تحمسوا للدعوة لترشيح فيصل لعرش العراق ، الصحفيان ابراهيم حلمي العمر وعبد اللطيف الفلاحي ، فقد أصدرا جريدتي “لسان العرب” ، و”الفلاح” قبيل وصوله إلى العراق ببضعة أيام وجعلا منهما منبراً لحملات التأييد الشعبية لفيصل من خلال المقالات التي نشراها في الجريدتين .
إضافة إلى ما سبق فقد اتخذت مواقف الفئة المثقفة العراقية المؤيدة لترشيح فيصل أسلوباً آخر في المساهمة لكسب التأييد العام لفيصل من خلال التجمعات الثقافية التي يدعون لعقدها . فقد دعا ناجي السويدي ورفاقه إلى عقد اجتماع عام في بغداد ، يوم السابع عشر من حزيران عام 1921 ، حضره ما يقارب من خمسمئة من العراقيين بمختلف انتماءاتهم الثقافية والفكرية والمهنية تمهيداً لاستقبال فيصل في العراق .




