الابعاد التربوية للتكافل الاجتماعي

بقلم/ د.موفق الحسناوي
ان التكافل الاجتماعي هو تكاتف والتزام أبناء المجتمع وتضامنهم مع بعضهم البعض من اجل إعانة المحتاجين ومساعدة المضطرين والفقراء . أي ان ابناء المجتمع يكونون متشاركين جميعا في المحافظة على المصالح العامة والخاصة ودفع الأضرار المادية والمعنوية او الوقاية منها بحيث يشعر كل فرد فيه أن له حقوق محددة وكذلك عليه واجبات ملزم بها للآخرين وخاصة الذين ليس باستطاعتهم أن يحققوا حاجاتهم الاساسية الخاصة من خلال العمل على إيصال المساعدات اللازمة إليهم ودفع الأضرار عنهم.
أي ان التكافل الاجتماعي هو اجتماع أبناء المجتمع واتفاقهم على المصالح المشتركة فيما بينهم وأن يكونوا موحدين في مواجهة الصعوبات والمشكلات الفردية والجماعية التي تواجههم وفي دفع الضرر عن جميع أبناء المجتمع والوقوف على كل ما يواجههم من الحاجة الى مساعدة المحتاج وحماية الضعيف وتكريم من يستحق والوقوف إلى جانب بعضهم في دفع الظلم وحل الخلافات وتقريب وجهات النظر بين ابناء المجتمع .
ونستطيع القول ان التكافل الاجتماعي هو احد صور العدالة الاجتماعية وهو نمط يمثل العلاقات الصحيحة بين أبناء المجتمع وهو يعني التعاون والمشاركة فيما بينهم من اجل تحقيق المصالح العامة في المجتمع . ومفهوم التكافل الاجتماعي مفهوم واسع يحتوي العديد من الجوانب المختلفة .
وينبغي ان لانتصور ان التكافل الاجتماعي يعني التكافل في الجانب المادي فقط الذي يوفر للمحتاجين متطلباتالحياة الاساسيةوانما أصبح يتسع لحاجات المجتمع التي تشمل جميع مجالات الحياة حيث توجد هناك مجالات حياتية لا تقل أهمية عن التكافل في الجانب المادي فقط .
وهناك عدة انواع من التكافل الاجتماعي تختلف حسب طبيعة الهدف منها وتختلف اساليب تنفيذها من مجتمع لاخر.
فهناك مايسمى بالتكافل المعيشي والذي يقصد به أن يقوم المجتمع برعاية الفقراء والمرضى والمحتاجين والاهتمام بمعيشتهم من طعام وكساء وسكن والحاجات الإجتماعية الاساسية الاخرى وهو يعد من اهم انواع التكافل الاجتماعي ذات التاثير المباشر لانه لايمكن الاستغناء عند كل ابناء المجتمع .
وهناك نوع اخر يعرف بالتكافل العلمي وهو يعني توفير فرص التعليم لجميع ابناء المجتمع وتشجيعهم على طلب العلم وتكاتف ابناء المجتمع على إزالة آثار الأمية وأن يقوم الشخص العالم بتعليم الشخص الجاهل كما يراعي توفير إمكانية التخصص للمتفوقين ومنحهم الفرصة الكاملة للإبداع العلمي .
وهناك مايسمى التكافل السياسي الذي يعني تحمل كل شخص مسؤولياته نحو سياسات الدولة العامة التي تخدم جميع ابناء المجتمع فالدولة هي ملك للجميع فلا استبداد برأي ولا احتفاظ دائم بمنصب وانما ينبغي ان تقوم العلاقات بين ابناء المجتمع على على العدل والمساواة بينهم الكاملة بينهم فكل شخص له حقه في المراقبة والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك بالمشاركة في الرأي وإبداء المشورة لأنه مسؤول عن المجتمع ومستقبله .
وهناك عدد من الابعاد التربوية للتكافل الاجتماعي ومنها ترسيخ الإيمان الصحيح بالله سبحانه وتعالى لان ارتباط الضمير الإنساني بالله سبحانه وتعالى يعد العنصر الاساس في التربية الاخلاقية الفاضلة . وهذا يتطلب من العقيدة الدينية الصحيحة ان تستند الى قاعدة صحيحة للتربية الفردية أو الجماعية في سبيل تحقيق مجتمع يتميز ابناؤه بالتكافل الاجتماعي فيما بينهم . حيث ان الإيمان الصحيح هو الخطوة الأولى إذا أردنا أن يكون ابناء المجتمع متكافلين فيما بينهم .
ومن الابعاد التربوية الاخرى للتكافل الاجتماعي هو تربية نفس الإنسان على الحب والرحمة والشفقة والحنان والأخوة في الله حتى إذا تمكنت هذه المشاعر اللطيفة من نفس الإنسان جعلته محبا للتعاون مع الاخرين والتكافل الاجتماعي .
وكذلك من المظاهر البارزة الاخرى للتكافل الاجتماعي هو كفالة الفقراء والمساكين ومشاركتهم آلامهم وهمومهم وتقديم العون المادي والمعنوي . ففي الوقت الذي يفتح المجتمع فيه فرص العمل أمام الجميع ويزيل العقبات والعراقيل أمام الفقراء والمحتاجين لغرض الانخراط في العمل وكسب العيش المناسب لهم فإنه يفرض على المجتمع المسؤولية الكاملة عن الفقراء الذين لا يجدون عملا أو لا تتسع مواردهم المالية التي يحصلون عليها من العمل للوفاء بحاجتهم ويكون المجتمع مسؤولا عن توفير العمل لمن لا يجد عملا مناسبا له وفتح ابواب العمل امام العاطلين .
ومن مظاهر التكافل الاجتماعي الاخرى هو رعاية حقوق الجوار بين ابناء المجتمع من خلال البر بالجار واحترامه والتواصل معه وابعاد الاذى عنه ومشاركته في جميع النشاطات الاجتماعية والمشكلات التي تواجهه ويساعده في حلها والتخفيف من معاناته .
وفي هذا الوقت وفي ظل تفشي وباء كورونا المستجد والظروف الصعبة التي اوجدها وقيامه بشل جميع مفاصل الحياة والعمل وتعطيل الحياة العامة تبرز الحاجة الماسة الى التكافل الاجتماعي بدرجة اكبر مما كانت عليه في الظروف الاعتيادية . حيث تتطلب الحاجة لمساعدة المحتاجين من المرضى وكبار السن وأصحاب الدخول المحدودة والذين لم يكن لهم دخل محدود او مورد رزق يوفر لهم حد الكفاية والعيش الكريم .
وقد برزت الكثير من المواقف الايجابية لدى بعض ابناء المجتمع من أصحاب الغيرة والشهامة حيث توالت المبادرات الشخصية والجماعية من الطيبين حيث اعلن العديد من الأطباء بتقديم الخدمة للمرضى عبر شبكة الانترنت والهواتف النقالة وبقاء المرضى في بيوتهم بدلا من القدوم الى العيادة أو الى المستشفيات لتقديم الاستشارة والمساعدة والعلاج لهم في ضوء الحاجة الفعلية للعلاج .
ان هذه المبادرات الرائعة أعطت الأثر الكبير في انتشار حالات التكافل الاجتماعي بين ابناء المجتمع وساهمت بإعطاء نموذج صادق للشعور بالمسؤولية الاحتماعية والاخلاقية في هذا الوقت الذي تشتد فيه الحاجة الى التكافل الاجتماعي بين ابناءه وهم في بيوتهم .
كما تبرز الحاجة الى توظيف المساجد والمراكز الإسلامية والكنائس والجمعيات الخيرية والمواكب الحسينية ومنظمات المجتمع المدني توظيفا معنويا ودينيا . وعلينا العمل من اجل التفكير في تنمية وتعزيز الصور الايجابية للتكافل الاجتماعي والبحث عن اساليب جديدة ومتنوعة نستطيع من خلالها اشاعة مفاهيم وقيم وثقافة التكافل الاجتماعي باكبر قدر ممكن بين ابناء المجتمع .



