اخر الأخبار

ذاكرة عربية .. هيكل يروي اللحظات الأخيرة من حياة عبد الناصر

خجحهخج

الجهد والعمل والقلق المتصل كلفه غاليا. فقد كان في هذه المرحلة رجلا قد حل به التعب وأنهكه المرض ، فقد كان يعاني من مرض السكر منذ سنة 1958، وكنتيجة لمرض السكر أصيب بحالة موجعة من تقلص شرايين ساقيه. وطلب منه الأطباء أن يقلع عن التدخين . وقال عبد الناصر عن ذلك : ” لقد أطفأت سيجارتي الأخيرة ، وقطعت على نفسي وعداً بأن لا أشعل سيجارة غيرها : وشعرت بعدها بأنني ودعت صديقاً عزيزاً علي . فلقد كان التدخين : الترف الوحيد الذي كنت أستمتع به ، والآن فهذه المتعة الأخيرة قد ضاعت هي الأخرى “. وخضع عبد الناصر بعد ذلك لدورة علاج بالمياه الحارة في الاتحاد السوفييتي ، ولمدة ما شعر بتحسن كبير، ولكنه لم يستطع أن يلتزم حرفياً بالبرنامج البالغ القسوة الذي حدده له الأطباء – فعندما قالوا له إنه ينبغي أن يتجنب أي جهد جسماني أو عاطفي . أجابهم بقوله : ” كيف يسعني ذلك ، إن هذه هي حياتي كلها ” . وكان زملاؤه يحثونه دائماً إلى الإخلاد للراحة . ولكنه لم يكن- يفعل ذلك . وفي 11 ايلول ( أيلول) 1969 أصيب بأول نوبة قلبية وكتم النبأ عن الجميع فيما عدا سبعة أشخاص كان ينبغي أن يعرفوا. وأعلن يومها أنه أصيب بحالة من الانفلونزا الحادة ، وأنه سيتغيب عن مكتبه لمدة ستة أسابيع . بل إن النبأ كتم حتى عن السيدة قرينته، غير أنها بدأت ترتاب في حقيقة ما يعانيه عندما وجدت المهندسين ينصبون مصعداً كهربائياً في المنزل . وتقرر الاستعانة بالمشورة الطبية من الخارج . وأرسلت رسالة سرية إلى موسكو، حضر إلى القاهرة على أثرها الدكتور شازوف وزير الصحة السوفييتي، وهو إختصاصي بارز في أمراض القلب ، وبصحبته فريق من الخبراء . وجاء تشخيصهم مطابقاً تماماً لتشخيص طبيب الرئيس الخاص الدكتور الصاوي حبيب، وقال الدكتور للرئيس إنه لا يجوز أن يعالج بالمياه المعدنية مرة أخرى في الاتحاد السوفييتي قبل مرور خمسة أعوام على الأقل . وأدرك عبد الناصر أن عليه أن يحتمل حالة القلب التي كان يعاني منها بالإضافة إلى الآلام المستمرة في ساقيه. وفكر في الاستقالة، ولكنه لم يفعل لأنه أحس بأن الأمة العربية قد تفسر استقالته وكأنها يأس من النصر ، فاستمر يعمل طويلا وبكل طاقته. والواقع أنه كان يعتقد دائماً أن قدره لن يمهله حتى يتمتع بحياة طويلة. وعندما سئل عما إذا كان ينوي أن يكتب مذكراته ليشغل نفسه عندما يعتزل أجاب : ” إن الذين يعيشون على طريقتي لايمتد بهم العمر طويلا “. خرج عبد الناصر من مؤتمر القمة إنساناً منهكاً متعباً . وقال لأصدقائه: إنه سيضع قدميه في الماء الدافىء والملح، وهي وصفة قروية قديمة لتخفيف الألم، ثم ينام يوماً كاملا، و بعدئذ سيبحث احتمال الإخلاد إلى الراحة . ولكن كان عليه أولا أن يودع الذين شاركوه في مؤتمر القمة. ولما حاول الرئيس القذافي أن يسافر في هدوء بحيث لا يزعج الرئيس بأكثر- مما ينبغى- من مراسم الوداع ، أصر عبد الناصر على اصطحاب الرئيس الليبي إلى المطار في سيارته ومرافقته حتى الطائرة . وكان آخر المسافرين أمير الكويت الأمير صباح السالم الصباح . وكان عبد الناصر قد وعد قرينته بأن يعود مبكراً ليتغدى مع حفيدته هالة وحفيده جمال . ثم استقل سيارته ليتوجه إلى المطار قائلا، بنبوءة عفوية، إنه ذاهب إلى ” الوداع الأخير “. وأحس بوعكة في المطار، وعندما استقل أمير الكويت طائرته طلب الرئيس إحضار سيارته إلى المكان الذي كان يقف فيه- وكان في العادة يمشي إلى سيارته- وطلب من سكرتيره أن يستدعي الدكتور الصاوي إلى بيته. وكان أفراد عائلته جميعاً في انتظاره ليتناولوا معه طعام الغداء، ولاحظوا أنه كان متعباً ومرهقاً ، وتحدث الرئيس إليهم برهة ثم دخل إلى غرفته قائلا إنه لا يستطيع أن يأكل شيئاً . ووصل الدكتور الصاوي فخرجت السيدة قرينته من حجرة نومه احتراماً لرغبات زوجها ، ذلك أنها ما كانت تمكث إطلاقاً في حجرته عندما يكون معه شخص آخر. وفحص الدكتور الصاوي الرئيس، وعندما أيقن أن العلامات تدل على نوبة قلبية ثانية، استدعى الدكتور منصور فايز والدكتور زكي الرملي ، الإختصاصيين اللذين كانا يعالجانه منذ النوبة الأولى وجرى أيضاً استدعاء أولئك الذين ألفت منهم لجنة لتسيير دفة الأمور في البلاد منذ إصابته بالنوبة الأولى . ووصل الإختصاصيان وواصلا العلاج الذي كان قد بدأه الدكتور الصاوي . وتم تجهيز معدات القلب الطبية الخاصة التي سبق أن نصبت في بيت الرئيس بينما كان أفراد اللجنة يتجمعون في البيت. وتمدد الرئيس على سريره مرتدياً بيجامته الزرقاء . وقبيل الساعة الخامسة بدأ نبضه ينتظم وبدأت خفقات قلبه تصبح طبيعية تقريباً . وبدأ يتحدث إلى الأطباء .. وقال له الدكتور فايز إنه يحتاج إلى إجازة طويلة ، ولكنه أصر على أنه يريد الذهاب إلى الجبهة ” حتى أرى أولادنا قبل أن أقوم بأي أجازة”. وغادر الدكتور الرملي والدكتور فايز الحجرة . وعندئذ هم قليلا ليفتح جهاز الراديو. ولما لم يسمع ما كان يتوقعه حثه الدكتور الصاوي مرة أخرى على أن لا يتحرك وأن يخلد إلى الهدوء تماماً ، قائلا: لا داعي لأي مجهود الآن . فقال عبد الناصر : ” لا يا صاوي… الحمد لله .. دلوقت أنا استريحت.. ” تلك كانت كلماته الأخيرة. قالها وانسدل جفناه على عينيه وهوى ساعده الذي كان يضعه على صدره واستقر بجواره . وأدرك الذين كانوا ينتظرون خارج الغرفة خطورة الموقف فتدفقوا إليها يشهدون بأعين تنكر كلياً ما ترى .. الأطباء يناضلون لإنقاذ حياة قائدهم . كان قد سبق أن شاهدوه بعد إصابته بالنوبة القلبية الأولى جالساً يأكل الجبن الأبيض المفضل عنده .. أما الآن فشاهدوه ممدداً في هدوء كامل على فراشه وقد فارقته الحياة . ولم يتحرك ولم يهتز إلا عندما أرسل جهاز الصدمة الكهربائية ثلاث شحنات راعدة عبر جسده. كان المرجو أن تؤدي الصدمات الكهربائية إلى دفع قلبه لأن يخفق من جديد . لكن قضاء الله كان قد حل وماكان شيء ليعيد الخفقان إلى قلب عبد الناصر.. فقد تحطم ذلك القلب . وعندما انتقلت عدوى يأس الأطباء وسقوط الأمر من أيديهم إلى المتجمهرين في الحجرة . راح هؤلاء وقد بدت عليهم الامارات الأولى لموجة الحزن العظمى التي عصفت بالعالم العربي .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى