” جدلية الدولة والمقاومة عند الشيعة”

ماجد الشويلي…
توارث الشيعة من أئمتهم (عليهم السلام) أهمية الحفاظ على الدولة وعدم تعريض أمنها ومقدراتها للخطر .
فالإمام علي (عليه السلام )الذي ما تأسست الدولة الإسلامية إلا بتضحياته واستبسالاته،
قد طوى عن الحكم كشحاً ما دام المسلمون في وحدة وأمن وأمان
وهو القائل ؛
((لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليَّ خاصة))
دون أن يخفي معارضته للخلفاء(الحكام) وانتقاداته لهم.
لكنه لم يَدَّخِرْ وسعاً في نصحهم وإرشادهم،
ولم يسجل التأريخ عنه بأنه تقوَّى بحليف خارجي ضد الدولة لانتزاع الحكم تحت ذريعة الاستحقاق والإرث والأولوية أبداً.
حتى ذلك التأريخ الذي كتب بيد مناوئيه، لم يجرؤ على اتهامه بالتآمر على الدولة وقلب نظام الحكم فيها .
فعلي “ع” المحكومة هو علي
الحاكم !!بسمته ،وسجاياه ،ونبله ،وشهامته، لم يكن براغماتياً في لحظة من لحظات حياته .
نشأ الشيعة في ظل تعاقب أئمتهم الذين رسخوا في وجدانهم وضمائرهم أولوية الحفاظ على الدولة ومؤسساتها.
فالإمام السجاد ” ع “الذي قتلت الدولة الأموية أباه الحسين “ع “وسُبيت نساؤه كان يدعو لجيشها بأروع ما يمكن تصوره من فنون الدعاء (دعاء أهل الثغور)
ولم يكن لِيُغلِّبَ خلجاته ونزعاته النفسية على أمن تلك الدولة واستقرارها .
الشيعة الذين ربتهم أدعية أهل البيت” ع” وخصتهم برؤية فلسفية خاصة لطبيعة الصراع الأزلي المحتدم بين الخير والشر
وتجلياته الزمكانية ، كانت الدولة تمثل لهم مرتكزاً عقائديا ، ووسيلة مقدسة تجود بها العناية الإلهية عليهم لنيل كرامة الدنيا والآخرة .
ومن هنا تجد واحداً من أهم الأدعية المؤكد عليها في شهر رمضان المبارك هو دعاء الافتتاح الذي تضمن هذه الفقرة اللافتة؛
((اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تُعِزُّ بها الإسلام وأهله وتُذِلُّ بها النفاق وأهله ))
يُذكر أن وفد علماء لبنان حينما زاروا النجف الأشرف كان الشيخ محمد جواد مغنيه يشرح للإمام الخميني (رض) معاناة الشيعة في لبنان والإمام الخميني يجيبه لابد من سقوط الشاه كلما كرر عليه الكلام !!
أي لابد أن تكون لنا دولة حتى نتمكن من مساعدتكم !!
لذا ترى المعارضة الشيعية في العراق رغم أنها استمرت لعقود طويلة واختارت الكفاح المسلح ضد سلطة البعث الغاشمة،
لم تعمد لاستهداف مؤسسات الدولة مطلقا
رغم قدرتها على ذلك .
فلم تضرب محطة لتحلية المياه ، ولم تفجر أنبوباً لنقل الغاز ، ولم تهاجم المدارس والمستشفيات أبدا.
ومن المعلوم أن هذا المنحى يصب في مصلحة النظام من جهة ، ويطيل من أمد غربة المجاهدين ، ويباعد من تحقيق هدفهم في إسقاط النظام .
فيمكن لنا القول بأن الشيعة كانوا ضد الحكومات التي تعاقبت على حرمانهم ، ومارست بحقهم سياسات القمع والإذلال.
لكنهم لم يكونوا يوماً ضد الدولة ومؤسساتها ، رغم أن بعض مؤسسات الدولة كانت تمارس بحقهم سياسات ظالمة ومجحفة للغاية.
بل إن الشيعة لايجدون أنفسهم ملزمين بطاعة الحكومة الشيعية إن لم تكن مرآة للثقافة التي نشأوا عليها في إطار مدرسة أهل البيت “ع” .
وهذا ما يفسر لنا في أحد جوانبه تمركز الاحتجاجات والتظاهرات في المدن الشيعية ، رغم أن الحكومة الحالية بشكل وآخر محسوبة عليهم.
على العكس من إخواننا السنة فإن الأولوية لديهم هي الحكومة حتى وإن كانت على حساب مؤسسات الدولة .
وقد تبين هذا جلياً في الفتاوى التي زعموا أنها لمقاومة الاحتلال .
وبطبيعة الحال ليس المقصود هنا هو إخواننا السنة بشكل مطلق لكنها السمة الغالبة لهم .
كانوا يثأرون لخروج الحكم عنهم ، ويعملون جاهدين لاستعادته حتى لو أدى ذلك لتقويض مؤسسات الدولة برمتها.
وشاهدنا كيف ضُربت الأعمدة الناقلة للكهرباء وفجرت أنابيب النفط والماء والهجومات المتكررة على بعض الوزارات .
وقطعاً هذا ليس تجنياً أو تهماً من نسج أوهامي أبداً ؛ وإنما هناك تصريحات معروفة ومشهورة لشخصيات سياسية سنية كبيرة أوردوها من على شاشات التلفاز تصرح بذلك.
ويأتي دور المقاومة الشيعية هنا ليؤكد أن مقاومتهم في ظل الحكومة الشيعية دون أن يضعوا اعتبارا إلى أن هذه المقاومة قد تضعف حكومتهم أو تخرج السلطة من أيديهم ماهي إلا تعبيرعن فهم متأصل في قيمهم ومعتقداتهم لأهمية الدولة وماهيتها .
يذكر أن حركة المقاومة حماس بمجرد وصول الإخوان المسلمين للحكم في مصر دخلوا في هدنة مع الكيان الصهيوني لأنهم كانوا يعتقدون أن أولويتهم هي نجاح تجربة الإخوان في الحكم ؛ حتى لو كان ذلك على حساب مقاومتهم للكيان الصهيوني الغاصب.
وفعلا كانت هذه أولوية الحكومة الإخوانية في مصر ، والتي أبقت على علاقاتها مع الكيان الصهيوني واتفاقية كامب ديفيد على ماهي عليه.
على العكس تماما من الشيعة في إيران الذين غامروا بالحكم حينما دافعوا عن فلسطين وقاوموا السياسة الأمريكية في عموم العالم والمنطقة.
لأنهم يعتقدون أن الدولة لا تكون دولة إلا حين تضطلع بمسؤولياتها مهما كانت جسيمة.
فليس بمقدورهم أن يفهموا معنى
لدولة ترزح تحت نير الاحتلال .
هم لايفهمون معنى للدولة التي تتخلى عن مسؤولياتها تجاه أشقائها في الدين والنسب،
ولايفهمون معنى للدولة التي لاتمتلك قرارها وتبسط سيادتها بقوة.
هذه هي فلسفة المقاومة في العراق .
إنها تعني ترسيخ وتمتين دعائم الدولة، لا إضعافها كما يتصور البعض .
نعم قد تكون مُضعفة للحكومة لكنها على المدى الاستراتيجي السبيل الوحيد لجعل الحكومة منسجمة في موقعيتها مع مهام الدولة الرصينة .



