ساندت العشائر فتوى المرجعية فأعلنوا ثورة العشرين على الإحتلال الإنكليزي للمطالبة بالإستقلال

2
نصت الفتوى التي اصدرتها المرجعية والتي فجرت ثورة العشرين (مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويحق عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكَليز عن قبول مطالبهموقد استطاع الشيخ السبيبي ان يوجد انسجاماً كبيراً بين جمعية حرس الاستقلال وبين التحرك السياسي في مناطق الفرات الأوسط، والذي كان يحركه الحزب النجفي السري. ومما يجدر ذكره ان الشيخ الشبيبي رغم كونه من الاعضاء القياديين في حرس الاستقلال، فانه أيضاً كان عضواً في الحزب النجفي السري(18).وبتشكل الحزب النجفي السري عام 1918م، تشكلت في كربلاء الجمعية الإسلامية في كربلاء، وفي الكاظمية الجمعية الإسلامية في الكاظمية. وقد انصب نشاط تلك الأحزاب على تهيئة الظروف اللازمة للثورة المسلحة ضد الإنكَليز حيث كانت هذه التجمعات وبقيادة المرجعية الدينية في مدنها تعبئ الجماهير المجاهدة باتجاه الثورة. وبفضل انتماء الكثير من رؤساء العشائر في صفوف تلك الجمعيات، كانت النتائج الفاعلة في ثورة العشرين.نلاحظ انه من خلال تشكيل هذه الجمعيات التي تضم العلماء ورجال الدين وارتباطها بمراجعها في قراراتها، والمسيرة التي كان يخطط لها في اشعال نار الثورة وانطلاقها من المساجد التي يحتفل فيها بالمناسبات الدينية وحضور الحشد الجماهيري فيها لهذه المناسبات، قامت السلطة بمراقبة تلك الفعاليات والحد منها او خلق مناسبات في نفس الوقت محاولة بذلك اشغال الجماهير الدينية وابعادها عن علمائها ورؤساء الجمعيات المؤسسة لغرض الثورة.
ان هذا الاتجاه الديني في تحريك الجماهير سياسياً تحت مظلة العمل الإسلامية والهدف الثوري انطلق من مدن المراقد المقدسة، من النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية. وما الجمعيات واعضاؤها وهيكليتها الشيعية إلاَّ لتفجير ثورة العشرين في العراق.
كان لدور العلماء – كما أشرنا – في تعبئة الجماهير للثورة أثره الكبير في الاستجابة لهم فالشيخ مهدي الخالصي والسيد هبة الدين الشهرستاني كانا حلقة الوصل بين القيادة وبين علماء الدين في الكاظمية وجماهيرها، كما ان السيّد أبو القاسم الكاشاني كان حلقة الوصل بين القيادة وإيران، والميرزا أحمد الخراساني كان الحلقة بين القيادة وجماهير وعشائر النجف الأشرف، والأخيران كانا حلقة الوصل مع عشائر الفرات الأوسط.
ان منهج الإمام الشيرازي في القيادة كان يعتمد على الشورى، ومن هنا فقد شكّل في البداية مجلس شورى للعلماء، كما شكّل فيما بعد وعلى أثر فتواه بجواز حمل السلاح ضد الإنكَليز مجلساً لأدارة الحرب ضد القوات الإنكَليزية، يتشكل من رؤساء العشائر الثائرة، ومن الوجهاء وكبار زعماء الثورة، وعلى رأسهم الحاج عبد الواحد الحاج سكر(19).كما كان منهج الإمام الشيرازي في الثورة قد تميز بما تميزت به الحركة الثورية الإسلامية في ذلك الوقت من المبادئ الثلاثة:
1- النفي المطلق للإستعمار ورفض المهادنة معه.
2- الوحدة الاسلامية.
3- الاعتماد على الفكر الإسلامي في الحركة.
كما كان الإمام الشيرازي منذ توليه الزعامة الدينية والسياسية، سعى عبر توجيهاته ووكلائه، ورسله، إلى تهيئة الأرضية الشعبية لتفجير الثورة بوجه الإنكليز، وقد أصدر عدة فتاوى حدد فيها واجب الشعب في قضية الاستفتاء وفي حرمة التعاون مع السلطات المحتلة. ولم يكن الإمام الشيرازي تنقصه الشجاعة في اصدار فتوى يلزم فيها الشعب بوجوب حمل السلاح، إنما كانت حكمته تقتضي أن يجعل الفتوى كيف مسلّط على رأس الإنكَليز دون استخدامه. إلاَّ في الحالات التي تفقد فيها جميع الآمال والحلول(20).
وفي مدة المفاوضات بين ممثلي الإنكَليز والزعامة الدينية والشعب، وفشل تلك المفاوضات أصدر الإمام الشيرازي فتواه المشهورة وهذا نصها: (( مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويحق عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكَليز عن قبول مطالبهم )).
وانتشرت الفتوى على نطاق واسع في كل مكان مع مبعوثين خصوصيين من علماء الدين لتحريض الجماهير على حمل السلاح ومقاومة القوات الإنكَليزية بالقوة، وكان بعض العلماء والخطباء والشخصيات الدينية من أقدر الناس على تعبئة الجماهير من أمثال أبو القاسم الكاشاني والسيد صالح الحلي، والسيد محمد الصدر(21).
وأخذت المدن الجنوبية المحيطة بالنجف وكربلاء والكاظمية، تتحرك اثر الفتوى واتساع انتشار العلماء والشخصيات الأخرى في جبهات المعركة، وتحرك الاستعمار الإنكليزي بعناده ومؤامراته لتطويق التحركات، فكان الثوار يقودهم العلماء ورؤساء العشائر يبذلون الغالي والرخيص لفك حصار الاستعمار عن المدن. وانتكست مدينة الحلة، فبلغ ذلك الإمام الشيرازي، فأمر السيد هبة الدين الشهرستاني كاتبه ومستشاره باستفسار الخبر من السيد علوان الياسري … فكتب يقول: (( أما حالتنا الحاضرة فكما يحب الله وتحبون، وان مصادقة الجيش العربي مع القوة المعادية في الحلة ليست أخبارها كما بلغتكم … وهاك حقيقتها، مولاي وردتنا مكاتيب من بعض العشائر تريد الهجوم على الحلة، وطبق خطتهم أن يكون هجومهم مما يليهم ويكون هجومنا مما يلينا حتى يكون الهجوم عمومياً، والظفر من الله، وبعد هذا الترتيب حشدنا جيوشنا للهجوم ولكن ويا للأسف ان الوضعية بين العشائر تغيّرت دون اشعارنا ))(22).من الأمور المعروفة ان الزعامة الدينية الشيعية في العراق والتي لعبت دوراً خطيراً في تفجير وأجيج ثورة 1920م الوطنية، كانت تنطلق في تفكيرها السياسي من منكلق ديني اسلامي عام لا يختص بطائفة ذهبية معينة، شيعية أو سنية، ولا بفئة اثنية دون أخرى، عربية أو كردية أو تركية أو غيرها.
لقد ذهب علماء الدين الشيعة، العرب منهم والايرانيون على رأس قوافل المجاهدين إلى ساحات القتال في الشعيبة وغيرها لمحاربة القوات البريطانية. أمرُ الزعامة الدينية الشيعية في العراق بأن تحرير العراق من الاحتلال البريطاني شرط أساس لتأسيس الحكم الوطني الجديد. وأكّد هذا المعنى اصرارهم على متابعة الشوط في سياستهم ضد الاحتلال البريطاني والسير فيه إلى النهاية، وقد تجلى هذا بالدور المشرف في تفجيرهم ثورة 1920م.
ومن علماء الشيعة الذين شاركوا في المعارك ضد الاحتلال:
1- آية الله السيد أبو القاسم الكاشاني.
2- آية الله الشيخ جواد الجواهري.
3- آية الله السيد محمد سعيد الحبوبي.
4- آية الله السيد محسن الحكيم.
5- آية الله السيد علي الداماد.
6- آية الله السيد مصطفى الكاشاني.
7- آية الله السيد محمد علي بحر العلوم.
8- السيد محمد نجل آية الله السيد اليزدي.
9- آية الله الشيخ اسحاق الرشتي.
10- ميرزا مهدي الآخوند.
جلّ اولئك العلماء من النجف الأشرف أو ممن يقيم في النجف وقد حملوا راية الجهاد ونزلوا إلى ساحة القتال حتى اللحظات الأخيرة.
يقول الأستاذ عبد الحليم الرهيمي: في مدينة النجف قام عدد كبير من العلماء بأدوار مهمة في حركة الجهاد، وكان أبرزهم المجتهد محمد سعيد الحبوبي (( ويعدّ من كبار الفقهاء المجدّدين وبرز كشاعر مجدد أيضاً وكان أول من أفتى عام 1908م بشرعية تأسيس مدارس حديثة في بغداد لتعليم اللغات الأجنبية، وهو من عائلة نجفية مشهورة من السادة العاملين في التجارة، قاد المجاهدين في جبهة الشعبية، وبعد الانكسار في المعركة وعودته مع المجاهدين إلى مناطقهم، توفي قرب مدينة الناصرية في منطقة سُميت (دار الجهاد) وذلك في الثاني من شعبان 1333هـ الموافق 1915م، وقد عدّت وفاته نكسة كبيرة لحركة الجهاد في العراق ).




