عودةُ الأموات

فراس جمعة
ارتدّت صورته من الحائط المزجج، بعدما نفض سريره من قذارة الأحلام الضّالة، متوجهاً إلى ركن المطبخ،كعادةٍ مارسها في الصّباحات الأخيرةِ المتكررةِ، وأثناء تعبئة رئتيهِ، عبر فمه الفارغ اللّزج، بالدّخان الّذي استدرجه من السيكارة الأولى، للعلبةِ الّتي رفع بكارتها باسنانه، كما اعتاد ذلك. وجههُ الممتقعُ الشاحبُ، لا شكَ في ذلك على الأطلاق، لكن تبيّن ان وجهاً آخر، واضحاً تماما، يكبرهُ بكثير. نفخ الدّخان، حيال المرآة قبالتة، وغادر الرّكن، إلى الصّالة المشرفة، على اثنتين من الغرف. باتّجاه الباب الرئيسي، الّذي يحاذيه حمّام مزدوج، وقبل أن يستلقي على أريكتهِ الهزيلة. كانت بالجوار مرآة اخرى، بادرتْ بنسخ الصّورة، الّتي برزت أمامه قبل دقائق. انّه يكبر، خلافاً لقاعدة الأرقام المعتادة، فكّرَ بانتزاع وجههِ، ليلصقه على المرآة ذاتها، توقف لحظة، وهو يحاول جاهداً، حتّى اتّضح له اتمام ذلك، بكامل الدقة. تسلّلت ابتسامةٌ ماكرةٌ من جهة المرآة، تراجع خطوات، فطفحت صورٌ عدةٌ، لزنازين ملوّنة بالسّواد، تحتجزُ ثلاثة من اصدقائه الموتى، وصورة أُخرى لتابوت يتدحرج، مثقوباً ناحية الرّأس، مطلي بدهانٍ فضي. يعتلي الثّقب، رأس والدته المتوفية، بوجهٍ شاحبٍ مصفرّْ، أقرب منه إلى ورق الأشجار في موسم خريفي، عليه خمار من البياض الناصع. فقررَ نسف جميع المرايا، بعد أن اجتاحه الذّعر، والشّعور بالدوار، حول أصقاع الذّات المرتبكة، المتردّدة، القلقة، على حد سواء. اغلق عينيه لا ارادياً لبرهة، وما يزال يتفّحص المرآة. فتبرّج أمامه رجلٌ ضخم، على غير المألوف. فسارع بانتشال المطرقه، وانهال على المرايا، الواحدة تلو الاخرى. وبعد ان انتهى، سالت الدماء، من احدى يديه المرتجفتين، فحملها، ليستدرجها إلى الحوض، فانبلجت ضحكة هستيرية من الحائط، أعلى ذلك الحوض، حيث آخر مرآة. رفعَ بصرهُ بخفةٍ حادةٍ، فرأى بداخلها، فتاةً معلقةً من شعر رأسها، كانت الفتاة حبيبته، قبل أن يتناثر جسدها في الشّارع، أثناء انفجار احدى قذائف الحرب. فتحرك بعجالة، لتناول المطرقة ذاتها، لكن ما حدث، هو ان المرايا تكاثرت أثناء ذلك التشظّي، كما عدد الجثث المتزايد، داخل رأسه.



