اراء

انتصار “الترترية”..!

قاسم العجرش
قبل عام 2014، حينما غزا الجراد الداعشي العراق، لم نكن قد عشنا بعد، ظاهرة “الإعلام الزيغي” التي نعيشها اليوم، ولكي نكون أكثر دقة وتحديدا، فإن هذه الظاهرة الشديدة الخطورة وجدت لها بيئة حاضنة، في الفترة التي تولى فيها السيد العبادي رئاسة الوزراء..قبلها لم نكن نعرف مصطلحات مثل (الجيوش الإلكترونية) أو (الذباب الإليكتروني)، وهي “ظواهر” الزيغ الإعلامي..نعم كان التسقيط السياسي المتبادل موجودا، ولكنه ليس بهذه الوقاحة والكثافة!
ما الذي حدث؟! وكيف نمت طحالب الإعلام الطفيلي، ومن نماها ورعاها وتعهدها وأنفق عليها؟
من باب الإنصاف ورد الشيء لإصوله، فإن حكومة العبادي لم تكن هي التي بدأت؛ بصناعة ظاهرة “الزيغ الإعلامي” وهي ظاهرة سنقارب تعريفها بعد قليل، لكن تلك الحكومة الأمريكية الهوى، وجدت أن سفارة وقنصليات “الحبايب” في بغداد والبصرة وأربيل؛ قد قطعت شوطا واسعا في هذا المجال، فتناغمت مع مخرجاتها، ووظفتها لصالحها، وها نحن نعيش نتائجها الكارثية..
إذا ما سحبنا مصطلح “الزيغ الإعلامي” ومخرجه “الإعلام الزيغي” على الوعي المجتمعي العام، فإنه يمثل تلك الصور الزائفة المشوهة المضللة المشوشة، المثقلة بالأكاذيب والسرابية، والتي تستخدم وسائل لا أخلاقية؛ في بناء وعي مجتمعي مُضلَل!
“الزيغ الإعلامي” يشبه إلى حد كبير”الزيغ البَصَري” الذي يعني إحلال صورة مزيفة، مكان الصورة الحقيقية، عندما يكون منبع الإضاءة متعدد الألوان، فتظهر على الخيال مجموعة من التشوهات اللونية، بسبب التبديد اللوني للعناصر الضوئية.
صحيح أن التعدد يثري البنية الثقافية والمجتمعية، ويعزز بهاء ألوان الفضاء الإعلامي، إلا أن التنمر والتشدد في الرأي والمصادرة على الآخر، ومحاولات الاستقطاب، أمر يعمل على شيوع ظاهرة “الزيغ” في الوعي الجمعي، التي تنتج صورة عاكسة مشوهة!
لقد كانت النتيجة كارثية بكل المقاييس، وها نحن نحصد نتائجها، أطنان من الأكاذيب، ومئات الآلاف من الصور المشوهة، وأباطيل لا تعد ولا تحصى، حلت محل الحقائق المؤكدة، لتصنع وعيا زائِفا مُزيَّفَا مُزيِّفا، ويتحول كل شيء حولنا إلى شك، حتى لو كان يقينا مبرما..
ست سنوات كاملة كانت سفارة الشر وتوابعها؛ تعمل بلا كلل على هذا المسار، وخلال تلك السنوات كانت الحكومة وبغباء مفرط، تتعاطى بإيجابية مع هذا النشاط الهدام، تحت عناوين التعدد والديمقراطية، بل كانت تقمع وبقوة؛ أي محاولة واعية لمقاومة الكارثة، وهكذا تحول الأنقياء إلى “ذيول”، والمجاهدون إلى “عملاء”، والحشد الشعبي إلى مجاميع منفلتة، والأصدقاء الذين وقفوا معنا في محنتنا مع داعش، إلى “طامعين” بثروتنا وكأنهم بلد جياع!
الإعلام النظيف؛ يعتمد على مدخلات ثقافية وعقائدية وقيمية وسياسية وإنسانية، تتجمع في بؤرة الوعي العام، تجمع اللون في العدسة، التي تنشر صورا مضيئة بألوان أو صور من تلك المدخلات، في تجانس يخلق نوعا من الجمال العاكس، أما إذا كانت المدخلات متناحرة الألوان؛ كان الانعكاس زائفا مشوها.
“أبطال” هذه القصة وأدواتها القذرة لتزييف الوعي، بات علينا أن نحترمهم، وأسماء مثل”دكمة” و”عكروكة” و”حسوني الوسخ”، تشغل اليوم مساحتها من وعينا المُزَيَف، بل ونستقبل “الترترية” في مجلس النواب..وحتى مرجعيات دينية محترمة وصفتهم بالمنتفضين والثوار، ثم ما لبث هؤلاء أن تحولوا إلى “ناشطين مجتمعيين” ولاحقا إلى “ناشطين سياسيين”، وهاهم شركاء سياسيون، ومستشارون رسميون وفي أعلى المقامات!
كلام قبل السلام: نتذكر هنا قوله جل في علاه “مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى” النجم ـ17.
سلام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى