تلوث المياه خطر يهدد مستقبلنا
من نافلةِ القول إن الماءَ يعد مصدر الحياة، كونه يدخل في تركيبِ خلايا الجسم وأنسجته الحية، إضافة إلى استحالةِ إغفال حاجةِ الإنسان والكائنات الحية الأخرى إليه لأغراضِ الشرب، فضلاً عن تأمينهِ الاستخدامات الإنسانية الأخرى التي تغطي مساحة واسعة من النشاطاتِ اليومية في مجالاتِ الزراعة والصناعة والصحة والتربية والتعليم، إلى جانبِ غيرها من القطاعاتِ الإنتاجية والخدمية. الأمر الذي أدى إلى التعاملِ مع قطاعِ مياه الشرب بوصفه من القطاعاتِ الرئيسة المهمة؛ بالنظرِ لتأثيرِ مياه الشرب في صحةِ المستهلكين و بيئة الحياة، فضلاً عن انعكاساتِ وفرته ودرجة نقاوته على عمليةِ التنمية، ما يلزم القيادات الإدارية العمل على ضمانِ توافق البرامج الخاصة بتنميةِ هذا القطاع مع السياساتِ المعتمدة في مهمةِ تطوير القطاعاتِ الأخرى.
أنَ تباينَ طرق إنتاج مياه الشرب وتعدد سبل نقل إمداداتها إلى المستهلكين، فضلاً عن طبيعةِ التعامل البشري مع هذهِ الثروة المهمة التي يندر الحصول عليها في كثيرٍ من بلدانِ المعمورة، تسبب في تحولِها إلى أحدِ أخطر المصادر الأساسية لانتشارِ مختلف الأمراض. وأدهى من ذلك أن الأطفالَ يشكلون أغلب ضحايا الأمراض التي يكون ماء الشرب وسطاً ناقلاً لجراثيمِها الممرضة؛ بالنظرِ لتعرضها إلى التلوثِ الذي يظهر عادة على ثلاثةِ أصناف، أولهما ( التلوث البكتيري ) أو الفيروسي الذي تشكل مياه المجاري، إلى جانبِ المياه العادمة التي يجري تصريفها من المزارعِ أبرز مصادر انتقال جراثيمه عبر اختلاطها بالمياه التي تحملها الأنابيب الناقلة لمياه الشرب، حيث يؤدي هذا النوع من التلوثِ إلى الإصابةِ بأمراضٍ جرثومية مثل الكوليرا، التيفوئيد والتهابات الجلد، بالإضافة إلى الأمراضِ الفيروسية التي أهمها التهاب الكبد الوبائي وشلل الأطفال، فضلاً عن الأمراضِ الطفيلية مثل الزحار الأميبي، البلهارسيا، الملاريا والديدان المعوية. ويشار إلى الصنفِ الثاني باسمِ ( التلوث الكيميائي ) في إشارةِ لتلوثِ المياه بعناصرٍ أو مركبات كيمائية مثل الرصاص، الزرنيخ والكبريت المتسربة إلى المياه من مختلفِ الأوساط. ومن المهمِ الإشارة هنا إلى أن من جملةِ مسببات هذا النوع من التلوثِ تعريض المستهلكين للإصابةِ بأمراضِ التسمم بالزئبق، تضخم الغدة الدرقية، التسمم بالرصاص، التسمم بالزرنيخ، التسمم بالكادميوم والتسمم بالحديد. فيما يتمحور النوع الأخير من هذا التصنيفِ حول التلوث الطبيعي الناجم عن ركودِ المياه، الذي يفضي إلى تغيرِ رائحة الماء وطعمه، ما يعني التأثير على صلاحيته لأغراضِ الشرب أو الاستخدامات المنزلية.
على الرغمِ من أن العراقَ يعد من البلدانِ الغزيرة نسبياً بالمصادرِ المائية، إلا أن السياساتَ المائية للدولِ الإقليمية أفضت إلى حصولِ نقص شديد بإطلاقاتِ المياه في نهري دجلة والفرات، ما تسبب بتعريضِ مياهنا الوطنية إلى التلوثِ وزيادة نسبة الأملاح فيها في وقتٍ تعاني فيه محطات إنتاج مياه الشرب من قدمِها وتدني طاقاتها التصميمية قبالة تنامي معدلات النمو السكاني. وهو الأمر الذي يفرض على المستهلكين ترشيد الاستهلاك والمحافظة على سلامةِ نقاوة المياه، إلى جانبِ الكف عن جميعِ الممارسات غير المشروعة التي تشكل ضغطاً على شبكاتِ الإسالة وإعادة النظر باتجاهاتِ الطلب، ولاسِيَّمَا أن بلادَنا تواجه مشكلات كبيرة في قطاعي مياه الشرب والمجاري جراء تواضع بناهما التحتية المتأتية من أعوامِ الحروب والحصار، فضلاً عن آفةِ الفساد التي ما تزال تعبث بمستقبلِ بلدنا.
في أمانِ الله.
لطيف عبد سالم العگيلي



