السياسة الرقيعة والعفو العام ..!
كل مرة أصدع رؤوسكم بالحديث عن الوطن والمواطنة، وفي كل مرة أيضا، نخرج بمحصلة مؤداها: أن يتحدث المرء عن موضوع ما شيء، وأن يراه على أرض الواقع شيئا آخر! ودعوني هذه المرة أيضا، أن أستفز تفكيركم لنرى ما نحن فيه!
يكتنف كثير من القضايا الوطنية اليوم، غموض كثير ولبس أكثر! ومصدر ذلك أن المتصدين لشؤوننا، أختاروا الإنفراد بالتعاطي مع تلك القضايا، ومضوا قدما في تعاملهم ذاك، دون إطلاعنا على حقائق الأشياء!
هم مثلا لم يبادروا لغاية الساعة، الى تنويرنا عما حدث بالموصل، أو عما يخططون له من إصدار عفو عام، إذ لم يفصحوا لنا على وجه الدقة، لماذا العفو أصلا؟!..وما الفئات المشمولة بالعفو؟ فقط قيل لنا أن الملطخة أيديهم بدماء العراقيين، لن يفرج عنهم، ومعنى هذا أنهم سيطلقون سراح الأبرياء فقط، وهنا نسألهم: إذا كانوا أبرياء فعلا؛ فلماذا أبقيتموهم في السجون، وهل السجون للإبرياء؟!
مثل هذين المثالين وعشرات غيرهما، من قبيل السياسة المالية والنقدية الخاطئة، التي تدار بطريقة اقل ما تستحق من وصف، أنها مبهمة ومشبوهة، فأدت الى أن تهوى عملتنا الى الحضيض، تفصح بواضح الأمر، بإن الساسة يتصرفون وهم مؤمنون، بأنهم يديرون بلدا من الرعايا، لا بلدا من المواطنين!.
والفرق كما تعلمون كبير جدا، بين الرعوية والمواطنة، لأن الرعوية تعني: إسترقاق الفرد وإرتهان أرادته، بمعنى أنهم يرون أننا لسنا معنيين بما يعنينا! وأن لنا الصافي كما هو وارد في الأمثال الشعبية.
نكتشف بلا تعب أن مثل هذا المسار، في تعامل النخبة الحاكمة مع الشعب، هو ذاته الذي كان سائدا قبل تغيير 2003، وأن الفرق الوحيد بين المسارين، هو أن نخبة ما بعد 2003، أرتدت لبوس الديمقراطية، ولكن سنكتشف أيضا، أنها ارتدتها على عجل، فكان هذا النشاز الذي يعتلي ظهورنا!
الخلاصة هي أنهم لم يغادروا فلسفة الحكم السابقة، وأنهم منعدمو الوعي بما جرى ويجري، ويستسهلون الأشياء والأحداث، وإلا فإن أحداثا كالتي جرت في الموصل، وأتسعت لتشمل قرابة نصف العراق، وتحصل خلالها مجازر شنيعة، في سبايكر وبادوش والصقلاوية، لا يمكن أن تمر لدى قادة بلاد أخرى، بالطريقة التي مرت فيها هنا في العراق، ولا يمكن بعدها، أن يجرأ سياسي رقيع، على الحديث عن عفو عام!
إنه مشهد معقد، يحتاج إلى برنامج عفيف ومسؤول لإصلاحه، وليس الى ترميم، فالمطلوب هدم ما هو قائم، والإتيان بما هو مغاير له ومتجاوز له، نعبر به إلى شواطئ الاستحقاق الوطني والإنساني.
كلام قبل السلام: يؤمن ساسة اللحظة الراهنة، بأن الوطن مزرعة غلتها لهم وحدهم فقط!
سلام..
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



