نظريات تتسابق على الأرض ..الإسلام والمسلمون بين صدام الحضارات وحوارها

المراقب العراقي ـ علي المؤمن
تعد فكرة أو نظرية صدام أو صراع الحضارات فكرة قديمة سلط الضوء،عليها وبلورها بشكلها الأخير صامويل هنتنجتون عام 1996 في كاتبه صراع أو صدام الحضارات،ومن قبله فرانسيس فوكوياما صاحب كتاب نهاية التاريخ أو الإنسان الأخير الذي صدر عام 1992 ،وفي قبالة هذه النظرية الاستكبارية هنالك نظرية حوار الحضارات وتلاقحها التي من أبرز روادها الإمام الخامنئي(دام ظله) الذي يرى ضرورة الانفتاح على الآخر والحوار معه مع عدم التنازل عن مبادئنا وقيمنا وهذا ما أطلق سماحته عليه مفهوم (المرونة البطولية).وعن هذه المفاهيم الثلاثة من صدام أو حوار الحضارات المصحوب بالمرونة البطولية حاورنا كلا من الدكتور عبد المنعم الشويلي،والشيخ ماجد العبودي اللذين تفضلا بالإجابة عن أسئلتنا ومحاورنا مشكورين.و قد كانت البداية مع الدكتور الشويلي..
* طرح صامويل هنتنجتون نظرية صدام الحضارات بعد الصراع بين الجماعات والدول دائما ما يتولد نتيجة حب السيطرة والهيمنة على الثروة وهو الطريق الوحيد لتمظهر الحضارات وبروزها كيف ترون هذا؟،وإلى أي مدى يوافق الشريعة الإسلامية؟.
ـ ابتدأ هذا الصراع من صراع الإنسان مع الطبيعة،ومن الصراعات السابقة أيام طفولة الشعوب مع من كانوا يعدونها آلهة وأنصاف آلهة،والصراع كان سنة الحياة إلى أن هذبت الأديان الناس فخففت وطأته،وهذه الأقانيم الثلاثة:الإنسان، والطبيعة،والآلهة أو الإله تعد الركائز الثلاث في الصراع الأزلي،فيما بعد عندما قامت الحضارات أصبح الصراع يعبر عما في داخل الإنسان الذي هو قطب الوجود وهو المحرك والمتفاعل الأساس مع المخلوقات،وأسباب الصراع غالباً ما يكون العامل الاقتصادي هو المهيمن والمسيطر وعلى رأسها(وهذه ليست نظرية ماركس فقط) فهذه سنة كونية فالعامل الاقتصادي هو المهيمن على العوامل الأخرى في الصراعات فالعامل الاقتصادي يعني أن تملك قوة ،والقوة تعني الحكم. بعد العامل الاقتصادي يأتي حب التوسع على حساب الآخر خاصة عندما يكون أضعف.
وحتى الفتوحات الإسلامية التي يعبر عنها البعض بالاحتلالات لم تكن في غالبها ملبية لنداء الشريعة والدين وإنما كانت لغاية بسط النفوذ والهيمنة وحب التوسع، وهذا هو حال الأندلس بعد الهيمنة والسيطرة وبعد هذه الحضارة الكبيرة التي بنيت ومازالت معالمها شاخصة إلى الآن إلى أنها لم تبن على دين الله كما أراده جل وعلا ولم يتول بها الحكم من أراد الله لهم ذلك،فتجدها كما لمع نجمها أفلت واضمحلت لأنها كانت مبنية بشكل أو بآخر على مبدأ صدام الحضارات وصراعها فلم تستطع تلك الحضارة بكل هيلمانها أن تنزع الحقد والكره من قلوب المسيحيين وتجعلهم ينقادون نحو الإسلام؛لذا تجد عند سقوط الأندلس أن المسلمين أخذوا يباعون في الأسواق ،وقد كتب الشعراء كثيراً من القصائد في رثاء المدن ومثل طليطلة وغيرها عندما كانوا يستشفعون بالخليفة أو الحاكم أن يدرك الأندلس
أدرك بـخـيلك خـيـلِ اللهِ أنـدلسا
إن الـسـبيل إلى مـنجاتها درسا
وعندما سقطت قال الشاعر
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ
فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ
مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ
وهذا النفوذ وحب الهيمنة والسيطرة لأجل التحكم بالأموال والناس والتوسع لأجل الإمارة ،نجدها تقلصت في زمن أمير المؤمنين(عليه السلام) لانشغال الإمام(عليه السلام) بالنزاعات الداخلية من قتال الناكثين إلى قتال القاسطين فالمارقين كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين:”تقاتل بعدي الناكثين،والقاسطين،والمارقين”.أما السبب الأساس أن الإمام(عليه السلام) لم يكن يرى أن الفتح فتح أراض وسيطرة ونفوذ،بل الفتح فتح النفوس وتنويرها بالإسلام والقيم والمبادئ الإسلامية ولا يصل بالسيوف فقط،فلم يرد أمير المؤمنين(عليه السلام) أن يفتح مساحات كبيرة إذا كان أهلها غير عارفين ولا داخلين بالإسلام عن رضا.
واليوم في وسط هذا السعي المحموم نحو المال والنفوذ نشاهد اليوم الصراعات والنزاعات التي هي مظهر من مظاهر هذا السعي نحو المال النفوذ والسلطة وأحدى أهم نتائجه؛فالتوازن في الدنيا قائم على قطبين أو ثلاثة أقطاب ولا يدوم على قطب واحد ذلك لأن الدول اليوم لا تقوم على جادة الصواب ولا تتخذ من الإسلام كما تعرفه مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) منهجاً وقد ذكرنا حكومة الإمام علي(عليه السلام) وكيف حاربوها وحاولوا اسقاطها بشتى الوسائل وذلك لأنها ضربت ذلك النفوذ وتلك المراكز المتخمة بالمال الحرام.وبما أننا نعيش في عالم اليوم لا هم فيه إلا للمال والسلطة فلابد حتى لمن يؤمن بلغة الحوار أن يتصادم أو يحارب لأن الحرب مفروضة عليه ولم يدخلها بمزاجه.لذا نلاحظ أن العالم اليوم منقسم إلى قسمين رئيسين محور الممانعة المتمثل:بالجمهورية الإسلامية الإيرانية ،والعراق ،والبحرين ،وسوريا ،ولبنان ،وبعض الفصائل الفلسطينية يضاف لهم بعض الدول المساندة مثل روسيا ،والصين،والمحور الآخر الغربي أو محور الشر بقيادة الولايات المتحدة ودول أوربا المنضمة لحلف الناتو ودول الخليج والتوابع الأخرى،وذلك بعد أن انهار الإتحاد السوفيتي القطب الآخر فأصبحت القطبية أحادية لكن ليس لمدة طويلة فها هي الصين اليوم تقف كدولة صناعية متقدمة تناطح الولايات المتحدة،وها نحن نعود إلى نظام القطبين أو الأقطاب فروسيا الآن عادت للساحة وبقوة وإن ليس مثل ما مضى.وهذا يبين لنا أن الأمم ما دامت حائدة عن جادة الصواب وليست على طريق الهداية فإن لغة الصدام والحرب هي السائدة والمتغلبة على لغة الحوار.لذا فديننا الإسلامي على خط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت(عليهم السلام) من بعده كانوا يريدون تغليب الحوار لكن الصراع والصدام فرض عليهم.
وهنا كانت مداخلة للدكتور عباس الشويلي الأستاذ بالتاريخ الحديث وقد بين أن الإسلام كدين دين حوار وانفتاح لكن بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)،انحرفت الأمة فأصبح الإسلام دين صدام أكثر منه دين حوار،حتى جاءت حكومة الإمام علي (عليه السلام) فحاولت تعديل ما اعوج من أمر الدين لكن دون جدوى فالشرخ كان كبيراً والأمة لم تكن مستعدة لتحمل وفهم واستيعاب مهام الإمام وأنه خليفة الله تعالى في أرضه فقاتل(عليه السلام) الناكثين،والقاسطين،والمارقين (كما بين الدكتور عبد المنعم)والفتوحات التي كانت باسم الإسلام في الأندلس مثلاً فشلت نتيجة صدام الحضارات.أما الدول التي فتحت بالحوار فقد جاءت الأخلاق ومبادئ الدين عن طريق التجار وانتشر الدين بالحوار لا بالصدام وأصبحت اندونيسيا تجربة ناجحة نتيجة الحوار،وهذا لا يمنع من أن هنالك دولاً فتحت بالسيف والحرب في البداية لكن الإسلام بسماحته وسلاسته وجد طريقه إلى قلوب اهلها مثل :العراق وإيران وغيرهما.
* في عالمنا المعاصر أيهما أنجع وأنجح حوار الحضارات أم صدامها؟.
ـ وعن هذا السؤال عرج الدكتور مجيباً:الحوار دائماً يفضل على الصدام يقول المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني
دائماً الرأي والمشورة والحوار قبل السيف وقبل القوة والصدام يقول تعالى:”ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”.لأن العقل أرجح من السيف ،والعقل هو الذي يقود اليد التي تحمل السيف فالحوار والعقل هما الأساس وهذا هو الجوهر الحقيقي للإسلام. أما أولوية الحوار على الصدام أم الصدام على الحوار وأيهما أنجع فأكيد الحوار والتلاقح والأخذ والعطاء أساس الحضارات سواء على الصعيد الاجتماعي أم الاقتصادي أم السياسي،وفي باقي الحقول الفرعية مثل الصناعة والزراعة والتجارة.فالحضارة المنغلقة على نفسها مصيرها آيل للذبول فكل واحد عليه أن يعطي للآخر ويأخذ أحسن ما عند الآخر،فلا يجوز أن نغمض عيننا عن المنجزات الحضارية الغربية اليوم في ذات الوقت نحن لا يجب علينا أن نأخذ كل ما عند الغرب بل علينا أن نأخذ العلم والمعرفة والثقافة المتوافقة مع الدين الاسلامي ،أما الانحلال وعدم الالتزام الاخلاقي ومظاهر الفساد الأخرى فهذه لا تمت لديننا بصلة.لكن العيب القاتل في مجتمعاتنا أنها مجتمعات استهلاكية لا انتاجية ـ وأن كانت بعض المجتمعات الاسلامية خرجت من عنق الزجاجة ومن الارتباط بالغرب ـ فهي تتقبل ما يصدره الغرب بعيوبه ولا تميز في كثير من الاحيان أن التكنولوجيا أو المنتجات أسلحة ذات حدين من الممكن أن تنفعنا ومن الممكن أن تضرنا وتهدد مجتمعاتنا ولنأخذ مثلاً الفيس سبوك وهو برنامج للتواصل الاجتماعي فمن الممكن أن نستفيد منه اجتماعياً و معلوماتياً لكنه أيضاً من الممكن أن يهدد شبابنا فالانحراف إذا لم يستخدم استخداماً صحيحاً،وهذا لا يمنع من أن حضارة الغرب آيلة الى الذبول والانهيار بسبب تغليب المادة على الدين وبسبب غياب المعنويات وسيادة الجوانب المادية.من هنا على حضارتنا أن تنفتح على الحضارات الأخرى مع مراعاة ما يناسب عاداتنا وتقاليدنا وديننا الحنيف.ورغم كل هذا التقدم في المجالات العلمية والتكنولوجية إلا أن هنالك أناساً ما زالوا يفكرون بمستوى أقل حتى من العصر الجاهلي فتفكيرهم قائم على السلب والنهب والسطو والاعتداء وكل شكل من أشكال القوة المادية.وهذا خلافاً للمدنية التي أرادها الإسلام وخلافاً للحضارة التي أرادها الإسلام لذا ليس كل ما يقوم به المسلمون يجب نسبته للإسلام لأن الإسلام دين والمسلمون حملة وقد لا يحملونه بشكل سليم وقد لا يبلغونه بشكل سليم ما يجعل الطرف الآخر سواء من باقي المذاهب أم من الأديان الأخرى ينسب الخلل للدين وليس لحملته من هنا فنحن لا نختلف في الإسلام بل في تاريخ المسلمين في تاريخ الرجل وفي من يجب أن نأخذ عنه تأويل القرآن وشرح غوامض الدين. وإلا فما الذي قدمته تلك المذاهب والملل الضالة المتطرفة للإسلام وهم يعيشون بعقلية رجل متخلف من القرن الثاني الهجري لا يفكر أبعد من خيمته بل لا يفكر أبعد من أنفه.وفي الحقيقة لا نسير نحن في الشرق الأوسط على سلم ثقافي متصاعد بحيث نبدأ من نقطة وننتهي عندها وعندنا مجموعة طفرات مرة نصعد ومرة ننزل واليوم نحن إلى نزول كما في هذه اللعبة المشهورة المسماة الأفعى والسلم (الحية والدرج) يمكن أن ترقى الأمة أو تسقط من أعلى قمة إلى أول درجة ونحن في المجتمع العراقي قد بلعتنا الأفعى فنحن بحاجة إلى الصعود من جديد مع التخلص من الأفعى وإلا كلما أردنا أن ننهض بلعتنا من جديد والسبب يكمن في الانتكاسة والانغلاق على الآخر الذي أصاب العقل الجمعي عندنا إلا من رحم ربي.ونحن في الختام نقول كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):”إذا كثرت الفتن وظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه وإلا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين”.
* هل يعني حوار الحضارات التراجع عن قيمنا ومبادئنا وإن فرض علينا الصراع؟.
ـ وأما أن نكون مستلبين فكريا ونخطو خطى الآخر وبالتالي ننسلخ ونتنكر لديننا وحضارتنا،أو أن نتلاقح مع الآخر ونأخذ خيرة ما عند الآخر،وإذا حاول الآخر التعدي علينا يجب صده وردعه،إذ لا يعني أننا نبادر الآخر دائما بالسلام أننا ضعفاء ومنهزمون.وعلى سبيل المثال أنت عندما تذهب الى السوق تجد كل البضائع والأشياء الجيدة والسيئة،لكنك لا تأخذ إلا ما تحتاجه ومن النوع الجيد لأنك لا تشتري السوق كله وهذا بيت القصيد والسلام.أما إذا فرض الصراع علينا فيجب علينا أن نطبق ما قاله أمير المؤمنين(عليه السلام) لولده الإمام الحسن(عليه السلام):”لاَ تَدعُوَنَّ إِلَى مُبَارَزَةٍ.وَإِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ،فَإِنَّ الدَّاعِيَ إِلَيْهَا بَاغٍ،وَالبَاغِيَ مَصْرُوعٌ”.
الشيخ ماجد العبودي بدوره أجاب عما طرحناه عليه من محاور وأسئلة وهي تباعاً:
ـ حوار الحضارات يطرح أن الإنسان جبل على الفطرة السليمة بعيداً عن التطرف والعنف والتكفير،وأن الحضارة كل متكامل تساهم به كل البشرية،لكن نظرية صراع الحضارات تقول بضرورة بل وحتمية الصدام كي تسود الحضارة الأقوى. كيف ترون ذلك؟.
موضوع الحضارات ونماء الحضارات وسيادتها وتوسعها بالصراع والإخضاع في الدنيا لم يأت مع الدين الإسلامي ولم يولد معه؛فالحضارات سادت ثم بادت وتوسع بعضها على البعض الآخر لكن الأديان السماوية كانت دائماً تحض على الحوار والتفاهم وهنالك نص في الإنجيل يقول:”من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر” وهذا ليس للخضوع والخنوع وإنما لنشر ثقافة التسامح وقبول الآخر واستيعابه،كذلك هي الأديان تدعو للحوار دائماً.أما الديانات التي كانت قبل تلك الديانات فلها أيضاً حضارة وتاريخ عريق،وكانت تبني وتعمر.أما مسألة الصدام والصراع فهذا من جانب تهديم الحضارات ،أما أساس الحضارة ورقيها يأتي من باب تأصلها وتجذرها ومنجزاتها وقدرتها على التفاعل مع الحضارات الأخرى.وإلا كيف وصل الإنسان اليوم إلى ما وصل إليه في مختلف جوانب العلوم والمعارف؟!.فالإنسان اليوم لم يصل إلى ما وصل إليه بإلغاء الآخر وطمس ما وصل إليه.
بل بالأخذ بما وصل إليه الأجداد ومواصلة البناء فوق بناء هذا السلف الصالح.أما صدام الحضارات وسيادة الواحدة على الأخرى هذا من باب تمزيق المنجز الانساني والحضاري لكل البشر ومحاولة تجييرهم لصالح نظرة معينة غالباً ما تكون فوقية وسلطوية تحاول التسيّد على الناس،لأن ما وصلت إليه الإنسانية بني على أساس الحضارة التي كان وما زال للدين فيها حيزاً كبيراً وفعالاً.من هنا فالحضارة (كما بينت في السؤال) كل متكامل يساهم به الجميع وبما أن الله جل وعلا فطر الناس فطرة حسنة فالإنسان بطبيعته اجتماعي يحب الحوار وتلاقح وتناقل الأفكار.لذلك وبما أن الحضارة تبنى بالإنسان فإذا أساسها الحوار لا الصدام ولا يمكن لأي حضارة مهما كانت أن تلغي حضارة أخرى ممكن أن تغيبها أو تغرب أهلها كما في العولمة اليوم،نعم،لكن أن تمحقها وتمحو ذكرها فهذا محال .لذا يقول الله تعالى عن الفطرة الأساس السليمة للبشر:”فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.ومن المهم أن أبين أن لكل حضارة قيمها ونحن كمسلمين نحترم عقائد الآخرين ودياناتهم وأفكارهم.ونحن في الشريعة الإسلامية لدينا ان التزوج من الديانات السماوية الأخرى جائز بناء على معتقدهم بأن هذا الزواج صحيح وهذا هو الانفتاح على الآخر والحوار معه وتقبله حتى مع اختلاف عقيدتنا معه.والمهم هنا ألا يعني هذا أن يكون هنالك تنازل من قبل المسلمين عن قيمهم ومبادئهم ومعتقداتهم بل محاولة دعوة الآخر إلى الإسلام وتبيينه له كما أراد الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت(عليهم السلام) من بعده وبذلك نكون مصداقاً للآية الكريمة:”ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ..” وهذا ليس بالأمر الهين اليوم وسط هذه الموجة العاتية من رياح التشويه ومحاولات التحريف المتمثلة بالقاعدة وداعش ومن يقف وراءهم من جبهة الاستكبار وتوابعها.كما أن هذا لا يعني إلغاء الآخر وإجباره على الدخول بالإسلام بل بدعوته بالحوار ـ كما أسلفنا ـ لا بالنزاع والصراع،فلماذا يجب أن تكون هنالك حرب ونزاع وصراع. أما مسألة القتال فهي تارة تكون قتال دفاع وهو قتال خير لدفع الضرر والأذى عن النفس والمال والعرض و الوطن والأمة والدين..،لكنها تارة أخرى تكون قتال شر.ونحن لا نؤمن إلا بجانب قتال الدفاع عن الخير أما قتال الشر فلا نؤمن به.
ـ حوار الحضارات طرح فكرة يؤمن بها قائد الثورة الإمام الخامنئي(دام ظله) من خلال التقارب المذهبي بين المسلمين من كافة المذاهب،والتقارب الديني بين المسلمين وباقي الديانات.ولكن هذا لم يجعل الإمام(دام ظله) يفرط بمصير الأمة خدمة لهذا التقارب أو الحوار وهذا ما يسمى اصطلاحاً بـ(المرونة البطولية).
سماحة السيد القائد (دام ظله) انطلق من منطلق إسلامي؛لأن منطلق حوار الحضارات لو ترجمناه فهو ذو جذور وأسس إسلامية منذ بداية الرسالة على يد نبينا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)،فهو كان مؤسساً لهذا المبدأ.ولذلك سماحة السيد القائد(دام ظله) انطلق من مبدأ حوار الحضارات مع أبناء الأمة الإسلامية جمعاء،ومع أبناء الديانات الأخرى من منطلق نبوي لأن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو أول من شرع ذلك وبدأ هذا الحوار مع الأمم الأخرى برسائله للأمراء والملوك في الامبراطوريات المجاورة ثم تبعه في ذلك أمير المؤمنين(عليه السلام).وهذا من صميم الإسلام.أما إلغاء الطرف الآخر فليس من شأننا ولا هو من ديننا.ومن هنا نرى أن النتائج مثمرة جداً؛فأنت ترى أن السنة في إيران على سبيل المثال معززين مكرمين وأفضل حالاً بكثير من سنة البلاد العربية،يعيشون مع اخوانهم الشيعة وليس هنالك تفرقة ولا طائفية رغم كل ما يحاك ضد الجمهورية الإسلامية ومحور الممانعة،ليس هذا فحسب بل أنت تسمع كلمات وتصريحات قادة ومن مختلف الديانات والمذاهب سواء كانوا مسلمين أم لا يعترفون بهذا الخط الأصيل المتسامح المرن القريب على قلوب الناس.وهذه المرونة مرونة دون تفريط أي مع الحفاظ على العقائد بمداراة وليس بمداهنة فالمداراة من الدين والمداهنة والممالأة ليستا منه. وهذه هي (المرونة البطولية)،فمثلاً أنت تتفاوض مع عدوك لكن دون تنازلات أن تسمع ما يقول الطرف الآخر لكن دون إفراط أو تفريط.ومن هنا تأتي مقبولية الإمام الخامنئي(دام ظله)،والسيد حسن نصر الله(أعزه الله) في قلوب الموال والمخالف ومن جميع من يملك فطرة حسنة تميز الحق عن الباطل.




