مستقبل العدالة والتنمية ما بعد الإنتخابات التركية: النموذج التركي في تراجع و «الأردوغانية» اقتربت من السقوط

استند حزب العدالة والتنمية طوال السنوات الماضية في سلطته إلى تأييدٍ جماهيريٍّ أتاح له السيطرةَ على أغلبية برلمانية تُمكِّنه من تشكيل حكومة منفردة، وقد شكلت هذه المعطيات المدخلَ الجوهري “لحالة الاستثناء” التي أسس لها الحزب في المشهد السياسي التركي، فالحزبُ -من جهة- مَثَّلَ نموذجًا محافظًا متمايزًا عن غيره من الأحزاب القائمة، ناهيك عن مقومات الدولة التركية العلمانية، والتي أعلن الحزب أنه لا يسعى إلى الصدام معها، وعلى جهة موازية ومع إدراك الحزب أهمية “شرعية الإنجاز” قدم الحزب أجندة إصلاحات اقتصادية، وظّفها كثيرا في الحفاظ على السلطة، والإبقاء على الدعم المجتمعي له, ولكن بمرور الوقت، بدا أن استمرار نموذج حزب العدالة والتنمية، والحالة الأردوغانية ” نسبة إلى زعيم الحزب والرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان” التي أفرزها معرضين لتحديات، البعض منها ارتبط بالخيارات السياسية والاقتصادية للحزب وزعيمه رجب أردوغان، والتي كان من شأنها التأثير في صورة الحزب، لا سيما مع تراجع معدلات النمو الاقتصادي، وتداعيات أحداث ميدان تقسيم في 2013, أما التحديات الأخرى فقد ارتبطت بطبيعة العلاقات المعقدة مع القوى السياسية الأخرى، والتي اتسمت بدرجة كبيرة من الصدام والصراع وهكذا تداخلت هذه المتغيرات بشكل أو بآخر مع مشهد الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة، لتثير معها تساؤلات ملحة حول مستقبل الأردوغانية، ومدى إمكانية استمرار نموذج العدالة والتنمية.أسفرت الانتخابات التشريعية التي أُجريت في تركيا يوم 7 حزيران 2015 عن حصول حزب العدالة والتنمية على 40.86% من إجمالي أصوات الناخبين، ليحصل بذلك على 258 مقعدًا برلمانيًّا، بينما جاء بعده حزب الشعب الجمهوري بنسبة 24.96% من أصوات الناخبين، ليحصد بذلك 132 مقعدًا في البرلمان، وجاء في المرتبة التالية حزب الحركة القومية بنسبة 16.29% من أصوات الناخبين و80 مقعدًا برلمانيًّا، كما تمكن حزب الشعب الديمقراطي “المعبر عن الأكراد” من الحصول على 13.12% من أصوات الناخبين ومن ثم 80 مقعدًا في البرلمان, وتأسيسًا على ما سبق، بدت هذه الانتخابات بمثابة إشكالية لحزب العدالة والتنمية الحاكم والرئيس التركي رجب أردوغان، فالحزب فَقَدَ الوضع السياسي المتميز الذي كان يتمتع به خلال الثلاث عشرة سنة الماضية “منذ الوصول إلى السلطة في 2002” حيث كان يتمتع بأغلبية مطلقة في البرلمان تُتيح له تشكيل حكومات منفردة دون اللجوء إلى تحالفات وائتلافات مع الأحزاب الأخرى، وتكفي هنا الإشارة إلى الاختلاف الذي حدث بين وضع الحزب في انتخابات 2011 وانتخابات 2015، إذ إن الانتخابات التشريعية 2011 انتهت إلى حصول الحزب على نحو 50% من إجمالي أصوات الناخبين أهلته للاحتفاظ بـ327 مقعدًا تشريعيًّا, التحول الأكبر الذي شهدته الانتخابات الجارية والذي كان له تأثير في الحزب الحاكم، ارتبط بقوى المعارضة، لا سيما في حالتي حزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديمقراطي فمن جهةٍ تمكن حزب الحركة القومية من زيادة نسب التصويت لصالحه من 13% في 2011 إلى 16.29% في 2015، أما حزب الشعوب الديمقراطي فقد مثل الرقم الأهم في الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث سعى الحزب إلى تقديم خطاب متباين عن خطاب الحزب الحاكم، يستدعي الصوت الكردي، ويوحد المرشحين الأكراد في حزب واحد، بخلاف ما كان يحدث في الانتخابات السابقة بالاعتماد الكردي على فكرة المرشح المستقل، وكان لهذا التغير في التوجهات الكردية تأثير في حزب العدالة والتنمية الذي خسر الكثير من الأصوات الكردية في الانتخابات التشريعية, صحيح أن حزب العدالة والتنمية خرج من الانتخابات التشريعية بأغلبية برلمانية، بيد أن تراجع قدرة الحزب على حسم أغلبية مطلقة سيكون له تأثير في طموحات الرئيس التركي رجب أردوغان وحزبه؛ فعلى الصعيد الداخلي، تبدد طموح أردوغان في تعديل الدستور لتغيير النظام السياسي في تركيا من جمهورية برلمانية إلى جمهورية رئاسية تعطي لأردوغان سلطات كبيرة في إدارة شؤون الدولة؛ حيث كان يتطلب هذا الأمر حصول الحزب على ثلثي مقاعد البرلمان (367 مقعدًا من إجمالي 550 مقعدًا)، أو على أقل تقدير، الحصول على 330 مقعدًا تمنح الحزب الفرصة في تقديم التعديل الدستوري المنشود إلى استفتاء شعبي, والمحتمل أن تؤثر نتائج الانتخابات أيضًا في السياسة الخارجية لأردوغان، فمع تراجع قدرة حزبه على تشكيل حكومة منفردة، وانتقادات القوى السياسية الأخرى للسياسة الخارجية للرئيس التركي أردوغان قد تحدث مراجعات فيما يتعلق بسياسة أردوغان تجاه مصر، كما أنه سيكون من الصعب على أردوغان التحرك بأريحية كبيرة على الصعيد الخارجي وقضايا الشرق الأوسط، لا سيما في الملف السوري، ودعم الفصائل الإرهابية المسلحة المعارضة لنظام الأسد، ناهيك عن الموقف من الأكراد داخل سوريا، خاصةً مع وصول حزب الشعوب الديمقراطي للبرلمان، وإمكانية ضغطه على أردوغان وحزبه لإبداء المزيد من التقارب والدعم للأكراد في سوريا, وبوجه عام سيظل مستقبل أردوغان وحزب العدالة والتنمية مرتهنًا بعدد من العوامل الرئيسة يمكن اختزالها في القدرة على التعامل مع الأوضاع الاقتصادية الداخلية التي شهدت في السنوات الماضية تراجعًا ملحوظًا، فخلال السنوات الخمس الماضية تراجع النمو الاقتصادي من أكثر من 10% إلى 3%، كما أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لم يشهد أي نمو منذ عام 2007، علاوة على ارتفاع معدل البطالة إلى 10% تقريبًا، وهذه المؤشرات في حال استمرارها سيكون لها انعكاس سلبي على مستقبل حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب أردوغان، خاصةً أن الحزب ظل طوال السنوات الماضية يستند في شرعيته والترويج لخطابه إلى الإنجازات الاقتصادية التي حققها مع توليه مقاليد السلطة, وإيجاد تسويات للمشكلات والقضايا الجوهرية التي يمكن توظيفها كمدخل لتقويض صورة الحزب، إذ إن ثمة قطاعًا داخل تركيا يرى أن أردوغان يطمح إلى تأسيس نمط حكم شبه مطلق يتمتع فيه بصلاحيات واسعة، ناهيك عن قضايا الفساد التي طالت الحكومة التركية خلال الشهور الماضية، وبددت كثيرًا من مفردات حزب العدالة والتنمية، كحزب محافظ يستدعي قيمًا دينية، فضلا عن تلك الإشكاليات سيكون أردوغان وحزبه مُطالبًا بمراجعة الملف الكردي، والبحث عن صيغة لسلام حقيقي تُنهي الصراع بين الدولة التركية والأكراد وهكذا ستحدد طريقة تعاطي حزب العدالة والتنمية مع هذه الملفات المسارات المستقبلية للحزب والرئيس التركي أردوغان, كما ان شكل الحكومة الجديدة وقدرة الحزب على إنجاز توافق مع أي من أحزاب المعارضة لتشكيل حكومة ائتلافية، وفي هذا الإطار ثمة سيناريوهان مطروحان، أحدهما أن يتمكن الحزب من إنجاز اتفاق مع حزب ما من أحزاب المعارضة، وفي هذه الحالة سيكون الرئيس التركي وحزبه أقل قدرة على تنفيذ رؤاهم المنفردة، سواء داخليًّا أم خارجيًّا، خصوصًا أن أحزاب المعارضة مختلفة كثيرًا مع سياسات أردوغان وحزب العدالة والتنمية. وينصرف السيناريو الآخر إلى عدم تمكن الحزب من الاتفاق مع أحزاب المعارضة، والتي أعلنت أنها لا ترغب في التحالف مع حزب العدالة والتنمية، ومن ثمّ يتم الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة، وحينها سيسعى حزب العدالة والتنمية إلى الترويج لخطاب الاستقرار الاقتصادي لدفع الناخبين لتأييده، والحصول على أغلبية مطلقة، تضمن له استمرار نموذجه، وتجديد دماء الأردوغانية,
المرحلة القادمة: تركيا من عصر الاحزاب الاحادية الى زمن الائتلافات الحكومية
انتهت الانتخابات التركية بمشاركة 82% من الناخبين وهي أعلى نسبة مشاركة في الانتخابات البرلمانية التركية، والسبب نجاح أحزاب المعارضة في تحشيد الشارع التركي ضد مشروع تغيير الدستور الذي تبناه حزب العدالة والتنمية من نظام نيابي إلى رئاسي بصلاحيات كبيرة لرئيس الجمهورية, وفشل حزب العدالة في الحصول على الأغلبية المطلقة لتشكيل الحكومة مما فاجأ الكثيرين داخل وخارج تركيا، وتبعا لذلك فعليه الدخول في ائتلاف حكومي لتشكيل الحكومة، لذا لحاجة حزب العدالة إلى 276 مقعدا فيما حصل على 258 مقعدا، ومما عقد الأمور على حزب العدالة هو عدم حصول المرشحين المستقلين على أي مقعد ليتمكن “داود أوغلو” من التفاوض معهم, هذه الانتخابات خرجت بثلاثة أحزاب معارضة مما يعني أن حزب العدالة سيدخل في مفاوضات صعبة لتشكيل الحكومة خلال مدة الخمسة والأربعين يوما وهي المدة المقررة دستوريا لتشكيل الحكومة لذا هناك أربعة احتمالات في تشكيل الحكومة القادمة, وهي أن يتفق حزب العدالة مع أحد الأحزاب الثلاثة الفائزة وسط حديث يتداوله الإعلاميون الأتراك عن تحالف حزب العدالة مع الحركة القومية أو أن يتحالف حزب العدالة مع حزب الشعوب الكردي، حسبما ذكر إعلاميون آخرون من أجل تحقيق مشروع المصالحة التركية الكردية, وفي خيار ثالث يجب أن ينجح “داود أوغلو” في اقناع عشرين نائبا من الأحزاب الثلاثة الفائزة بالانشقاق عن أحزابهم والتحالف مع حزبه، لقاء تنازلات شخصية لهؤلاء النواب المنشقين, أو ان يتنازل حزب العدالة عن تشكيل الحكومة إذا فشل في تشكيلها ضمن المدة الدستوية المقررة, لصالح حزب الشعب الجمهوري, وأيا كانت الاحتمالات فإن مشوار تشكيل الحكومة سيكون عسيرا وعلى “داود أوغلو” تقديم الكثير من التنازلات الداخلية والخارجية, والسؤال الوارد هو، هل يلجأ أردوغان إلى انتخابات مبكرة أخرى فيما إذا فشلت جميع الأحزاب في تشكيل الحكومة ضمن 45 يوماً لكل حزب أو سعى هو إلى إفشالها وخلال هذه المدة تبقى الحكومة الحالية حكومة ؟”داود أوغلو” تدير شؤون البلاد، وخلال ذلك سيستقيل “أردوغان” من رئاسة الجمهورية ويترشح لرئاسة الحكومة عندما تاتي الانتخابات القادمة “المبكرة”، لما يمتاز به “أردوغان” من كاريزما خاصة مؤثرة في الوسط التركي فقد أوضحت الحملة الدعائية لحزب العدالة، أن شخصية “داود أوغلو” عبر منصات الحديث افتقرت إلى الكاريزما الأردوغانية، مما أثر بشكل واضح على استقطاب الناخبين غير المنتمين إلى جهات سياسية أو فكرية بل والذين يخضعون للتأثير الدعائي السياسي والاقتصادي, وجاءت نتائج الانتخابات للكرد فوق ما كانوا يتوقعون، وكانت مفاجأة لهم قبل أن تكون لغيرهم، ولعل اتحادهم كأقلية كردية في تركيا ونجاح رئيس حزب الشعوب الديمقراطية “صلاح الدين دميرطاش” في تسويق حزبه إلى الناخب الكردي وبعض المتعاطفين الأتراك مع الكرد، جعل حزبه يحشد الجماهير الكردية ليحصلوا على (80) مقعداً بنسبة “13.12%” بعدما أشارت استطلاعات الرأي أن الكرد قد لا يدخلون البرلمان، لكنهم دخلوها لأول مرة وبقوة متجاوزين العتبة البرلمانية الـ10%. بالنسبة للكرد فانهم اصبحوا قوة لا يستهان بها وسيطلبون تغيير الدستور على وفق رؤاهم القومية وهو أمر من الصعب على “أردوغان” القبول به, فضلا عن ذلك فإن نتائج الانتخابات أنهت طموحات “رجب طيب أردوغان” في تغيير الدستور من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي ومشروع “تركيا الجديدة” والحصول على صلاحيات كانت من الممكن أن تجعله قادراً على حل البرلمان، إقالة الحكومة، تقنيين صلاحيات الهيئات القضائية، إلغاء نفوذ الجيش على مؤسسات الدولة، رسم السياسات الداخلية والخارجية، تعيين اعضاء المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء، وحظر الأحزاب السياسية, بعد ثلاثة عشرعاما من الحكومات الأحادية لحزب العدالة وسياسات التنمية الداخلية وسياسات التواصل مع حركات الأخوان المسلمين في الشرق الأوسط خصوصا في العراق وسوريا ومصر، يبدو أنها ستتأثر بشكل أو بآخر من دخول أي حزب معارض في الحكومة، إذ إن جميع أحزاب المعارضة التركية على علاقة سيئة مع حركات الأخوان المسلمين, كما أن فشل حزب العدالة في الحصول على الأغلبية لتشكيل الحكومة قد يخلق مشكلات جديدة داخل حزب العدالة نفسه، فاردوغان يميل للتحالف مع الكرد وتشكيل الحكومة بينما يميل “داود أوغلو” للائتلاف مع الحركة القومية. فضلا عن أن القانون الداخلي لحزب العدالة والقاضي بمنع ترشح أي عضو برلماني عن الحزب أكثر من مرتين، جعل الكثيرين من النواب المعروفين الذين يرتبطون بعلاقات جيدة مع الأوساط الجماهيرية للحزب لا يترشحون للانتخابات مما جعل جماهيرهم تصوت لنواب جدد عن الحزب أو يصوتون لآخرين من أحزاب أخرى أقرب لهم اجتماعيا, والأهم من ذلك، اصطدام كل مشاريع السيد “أردوغان” الخارجية والداخلية بقبول الشريك الجديد في الحكومة، لكن من المحتمل أن يسعى في الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وخلال هذه المدة سيتدهور الاقتصاد التركي والعملة التركية مما سيكون مقنعا للناخب التركي عندما يخرج “أردوغان” بوصفه مرشحا لرئاسة الحكومة ليقول لهم أن الاقتصاد التركي في ظل حكومة أحادية لحزب العدالة هي الوحيدة التي ستنقذ تركيا,
هل تتغير السياسة الخارجية التركية بعد نتائج الإنتخابات الأخيرة؟
سلطت صحف أوربية وأميركية الضوء على الانتخابات التركية الأخيرة ونقل عن محللين قولهم إن النتائج تؤشر إلى نهاية حقبة من السياسية الخارجية لأنقرة والتي اتسمت بالطموح والأيديولوجية المتزايدة وأن سياسية تركيا الخارجية التي وصفت من قبل “بسياسية صفر المشاكل مع الجيران” أخذت في السنوات الأخيرة منحى جديداً، و أن تركيا ليس لديها سفراء في خمس دول شرق أوسطية من بينها سوريا التي كانت صديقا سابقا، وليبيا ومصر, وأن مسؤولي حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا أوضحوا أن عزلة تركيا الجديدة بأنها نتيجة للمواقف الأخلاقية الجريئة التي اتخذتها بشأن قضايا دولية، ما نجم عنه حالة من الوحدة, وقال حسين بخشي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سابانجي التقنية بأنقرة إنه من المرجح أن ينجم عن نتائج الانتخابات الأخيرة ” تغير في محور” السياسية الخارجية التركية لأن حزب العدالة والتنمية توسع أكثر من اللازم في استخدام موارده وقدراته وأضاف بخشي “أن ما نوت تركيا عمله في الشرق الأوسط ظهر عكسه، فلم تظهر الديمقراطية في الشرق الأوسط ولا الأمن ولا الاستقرار كما وعد حزب العدالة والتنمية” وحددت المصادر ثلاث مناطق يمكن أن تتغير فيها سياسية تركيا الخارجية إذا ما تم تشكيل حكومة ائتلافية أولها سوريا التي قد تشهد أكبر تغير، فقد سعى أردوغان وداود أوغلو إلى الإطاحة ببشار الأسد من خلال ربط تعاون تركيا مع التحالف الدولي ضد “داعش” بالتزام واشنطن بموقف معادٍ للأسد, وأشارت المصادر إلى أن البيانات الصادرة عن الأحزاب الثلاثة وعدت بإيقاف تسليح المجموعات المسلحة عبر الحدود السورية, ويرى الدكتور بهلول أزكان من جامعة مرمرة باسطنبول أنه مع تغير الحكومة في أنقرة، فإنَّ تركيا يمكنها أن تعلب دوراً وسيطاً بين المعارضة المعتدلة ونظام الأسد بشكل قد يغير ميزان الأزمة السورية، مشيراً إلى أن تركيا ستواجه مشاكل خطيرة مع “داعش” ومن بين المناطق التي ستشهد تغير السياسية الخارجية التركية دول العالم الإسلامي، حيث رسمت تركيا نفسها، في أعقاب الربيع العربي، نموذجا جديدا للدولة الحديثة العلمانية ذات الخلفية الإسلامية، وأخذت تنسج علاقات مع الأحزاب الإسلامية حتى صارت تتماهى مع الإسلاميين بشكل كبير, ويشير الدكتور أوزكان إلى أن هناك اختلافاً كبيراً بين إسلاميي تركيا وإسلاميي العالم العربي، حيث بدأت الأحزاب الإسلامية التركية تجربتها في السياسة في سبعينيات القرن الماضي وشاركت في الانتخابات وخدم بعض ممثليها كوزراء في الحكومة، لكن إسلاميي العالم العربي حُظر عليهم ممارسة السياسية لعقود ومن ثم فهم عديمو الخبرة في الحكم, وأضاف أوزكان أن حزب العدالة والتنمية توقع أن يصل إسلاميو مصر وسوريا وتونس وليبيا إلى الحكم على غرار تركيا، مشيرا إلى أن تركيا تختلف كليا عن العالم العربي لأنها “استثناء” أما المنطقة الأخيرة فهي علاقة تركيا بالولايات المتحدة التي شهدت مشاكسة حول عدد من القضايا بدءاً من رفض تركيا التعاون مع التحالف الدولي ألا اذا كان موجهاً لإسقاط الاسد, وقال فادي حاكورا خبير الشؤون التركية في معهد تشاتام هاوس في لندن “تجنبت الولايات المتحدة إشراك تركيا في أية نقاشات استراتيجية حول برنامج إيران النووي أو التطورات المستقبلية في سوريا أو حتى الوضع الحالي في العراق” وأشار حاكورا إلى أن أردوغان وحزب العدالة والتنمية ورغم نتائج الانتخابات الأخيرة، لا يزالوا متحكمين بمعظم الأجهزة الأمنية في تركيا، وهو ما لم يتغير في الانتخابات، لافتا أن تركيا لن تظهر أية أجندة إقليمية كبيرة لأن أردوغان سيكون للنظر للداخل. وعلى الرغم من احتمال تغير السياسية الخارجية التركية بعد الانتخابات الأخيرة، فإن العلاقات الجذرية مع الولايات المتحدة ستستمر، وإن كان من غير الواضح إلى أي مدى سيتمكن شركاء الحكومة الجدد من تغيير سياسية العدالة والتنمية التي يتبناها منذ وقت طويل, أما في الوضع السوري والعراقي، فإن جميع أحزاب المعارضة الفائزة تقف ضد مشاريع دعم المعارضة السورية، وتدعم الرئيس السوري “بشار الأسد” وتساند الحكومة العراقية، كما أن أحزاب المعارضة التركية مستاءة من العدد الكبير لللاجئين السوريين وطالبت بسياسة أشد في التعامل معهم، أما في شمال العراق فحزب الشعوب الديمقراطية الكردي الذي يتخذ من السيد عبد الله أوجلان “المسجون” زعيما لكل أكراد تركيا، ويدعم حزب العمال الكردستاني في قتاله ضد تنظيم داعش وهناك منافسة شديدة بين أنصار “أوجلان” وأنصار “مسعود برزاني” في كردستان العراق على زعامة الكرد، وعليه نجاح كرد تركيا يعد عثرة جديدة في مشروع “أردوغان” في التصالح مع كرد العراق على حساب كرد تركيا, وأياً كانت الاحتمالات، فقد إنتهى عصر الأحزاب الأحادية في تركيا وعاد زمن الائتلافات الحكومية التركية بما رافقتها من مشكلات داخلية.




