الفرنسي ماسينيون يزور قبر الحلاج سنة 1907
المستشرق الفرنسي الشهير لويس ماسينيون هو من مواليد ضواحي باريس، سنة 1883 قام في بداية حياته برحلة مبكرة الى الجزائر، وحصل على شهادة “اللسانس” آداب سنة 1902 وعلى الدبلوم سنة 1904 في بحث له عن المغرب، وحصل كذلك على دبلوم في اللغة العربية (الفصحى والعامية) سنة 1906، وبدأت عنايته بالاثار والفكر الاسلامي.جاء ماسينيون الى بغداد سنة 1907 وتمكن من خلال بحثه وتقصيه من اكتشاف قصر بني لخم المسمى (بالسدير) في الحيرة، الا انه لسبب ما القي القبض عليه من السلطات العثمانية انذاك وسجن ولربما تعرض الى التعذيب، وكاد يعدم لولا تدخل عدد من علماء بغداد وخاصة من بيت الآلوسي لانقاذه من هذه الورطة، لانه كان قد التحق بهم لدراسة اللغة العربية ودام مكوثه في بغداد بحدود السنتين اي الى سنة 1908.
الا اننا لا نعرف بالضبط اين سكن ماسينيون في بغداد وفي أية محلة منها ما بين سنة 1907 -1908. على ان رواية وصلتنا من ثقات البغداديين من كبار السن من محلة الحيدر خانه المطلة اليوم على شارع الرشيد، يقولون في روايتهم هذه من ان ماسينيون سكن محلتهم بعد ان استأجر دارا فيها، وانه كان يجلس عند شباك مطل على الزقاق ليستمع الى الاطفال وهم يلعبون والى المارة، لذلك كان له بحث عن حروف النداء لدى اهل بغداد بالاضافة الى بحوثه الاخرى عن بغداد ومنها (الامثال البغداداية للطالقاني) وبحث عن (الاولياء المسلمون المدفونون في بغداد) و(دراسات عن مخطوطات مكتبات بغداد) و(رمز العصر الوسيط لمصير بغداد) وغيرها كثير، حتى يعتقد ان مؤلفات ماسينيون تربو على (650) بين كتاب وبحث ومقالة ومحاضرة.
بعد ما حدث لماسينيون من اعتقال في العراق وكادت رقبته تقطع، ذهب في جولة طويلة الى القدس والاستانة وبيروت وحلب والحجاز، ثم عاد الى باريس وعين معيدا في كرسي الاجتماع الاسلامي في معهد فرنسا سنة 1919، واثناء ذلك حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية بعنوان (آلام الحلاج) عام 1922، وغاص ماسينيون في التصوف الاسلامي الى ابعد نقطة فيه، واندمج بحياة بالحلاج اندماجاً مثيراً حتى قيل ان رسالته في الدكتوراه كانت من جزأين عن الحلاج ومن الف صفحة، اثبت خلالها اصالة التصوف بالاسلام، التي نشرها فيما بعد منقحة ومزيدة عام 1954، وبعد هذه الرسالة كتب (مذهب الحلاجية) وحقق ديوان الطواسين للحلاج واصدر عددا من البحوث منها 4 نصوص متعلقة بالحلاج، والحلاج شهيد التصوف في الاسلام، و(اخبار الحلاج)، وكذلك (المنحنى الشخصي لحياة الحلاج) الذي نقله الى العربية الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه “شخصيات قلقة في الاسلام” عام 1947 وكانت لديه كذلك (مراجع أخرى عن الحلاج) و(الحلاج صوفي الاسلام) و(الفلسفة وما وراء الطبيعة في التصوف الحلاجي) و(قصة حسين الحلاج) و(استشهاد الحلاج في بغداد).ونخلص من كل ذلك الى ان المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون قد تماهى مع الحلاج بشكل كامل ولم يستطع مفارقته الى نهاية حياته سنة 1962، وحينها قيل ان ماسينيون نقله الحلاج من الالحاد الى التصوف والايمان، علما ان الحلاج الصوفي كان قد استشهد في بغداد سنة 309 واختلفت حوله الآراء الا ان الجميع على اتفاق من ان فكر الحلاج فكر عميق ومن يدخله يصعب عليه الخروج منه ولعل ماسينيون مثال واضح على ذلك.



