“زليخات يوسف” عندما يبث الكاتب خلجاته الانسانية

وجدان عبدالعزيز
اصبحت قصة (زليخات يوسف) الاطار الاحتوائي لكل ما حملته قصص المجموعة الموسومة بنفس الاسم ، حيث بث الكاتب علي السباعي خلجاته الانسانية عبرها ، وعمد بقصدية الى اقتراح هذا الاسم .. وحينما التمعن بالسياقات السردية لكل قصص المجموعة وما حملته من معاني ، لوجدناها تصب جميعا في رؤية الكاتب الرافضة والقلقة تجاه كل المواقف التي يفرزها الواقع المحيط ـ وما اكثرها ـ ناهيك عن ضغوطات هذا الواقع على عوالم التخيل التي يجترحها الكاتب السباعي ، ويتماهى معها ضمن مرتكزات عديدة .. ومنها المدونة التاريخية التي احاطت بكل كتاباته السردية تقريبا .. وتبدى لنا في هذه المجموعة استثمار الكاتب لقضية تداخل الفنون عبر مسارات جمالية البحث عن الحقيقة مما دعاه الى اعتماد القطع والالصاق وصناعة المشهدية ومع انفجار المعارف المعاصرة ، ومن ضمنها الفلسفة والمذاهب الأدبية والنقدية ، لم يعد هناك من حقيقة ثابتة: فقد صار كل شئ عرضة للتطور والتغير والشك والمغادرة ، وكان لتطور فلسفة الجمال أثر مهم في ذلك ، ولا سيما جماليات كروتشة الذي شن في الإستطيقا ، عام 1902 ، هجوماً على مفهوم الأنواع الأدبية: “لم تقم له بعده قائمة برغم المحاولات العديدة التي جرت للدفاع عنه ، أو لإعادة صوغه بشكل مختلف” ، ما دفع بعملية التداخل إلى مواصلة التطور فيما أطلق عليه جيرار جنيت جامع النص الذي يقصد به “مجموع الخصائص العامة التي ينتمي إليها كل نص على حدة” ، وفيما اندمج بنظرية أوسع هي نظرية الخطاب وعلم النص ، أو ما أطلق عليه بالنصوصية بعد أن مهدت مباحث الشعرية السبيل لذلك ، كونها تقوم في الأساس على الانحراف وانتهاك قوانين الاعتياد. وكان من الطبيعي لهذا التطور ، واستعارة السمات من جنس لجنس ، أن يسمح بظهور مسميات جديدة بوصفها مصطلحات لنوع من الكتابة الحرة يستثمر خصائص أنواع أدبية متعددة كمصطلح الكتابة والنص ، الذي كان رولان بارت أشهر من نادى به وتبنى إشاعته والدفاع عنه. أما التداخل بين النصوص فهو النظرية المتقدمة التي أسست لمفاهيم قديمة تكثفت حتى غدت حديثة في آليات التأسيس والعرض .
هي نظرية التناص التي يجمع أصحابها على أن النص ليس منتجاً مخترعاً ولا بريئاً ، بل هو نتاج تداخل نصوص قديمة أو مزامنة له تتصارع وتلتمع في فضائه ، فالنص ـ عند جوليا كرستيفا ـ امتصاص وتحويل لنصوص أخرى ، بحيث يتحول النص الجديد إلى ما يشبه الفسيفساء سواء في تماسه التركيبي مع النصوص المقتبسة أم في تحويله الدلالي لها ، أو الإشارة والتلميح إليها ، أو التغييب لها في مناطق متفاوتة العمق ، لكن ترانس هوك يؤكد ناحيتين: أولاهما أن النصوص الأدبية هي رسائل تشير إلى نفسها ، وإن كانت تحوي إشارات متواصلة إلى أعمال أدبية وفنية أخرى ، ما يعزز دور المؤلف أو المبدع في إنتاج النص ، دحضاً للمبالغين في سلبية الدور الذي يقوم به المبدع في عملية الإبداع من كونه فضاء تمر عبره الكتابة ـ كما ادعى كلود ليفي شتراوس ، الذي لا يمتلك الشعور بأنه يكتب ، بل يمتلك شعوراً بأن الكتب تكتب من خلاله ، وتلك هي المعضلة التي كمنت وراء إشكالية موت المؤلف ، على ان هذه التحديدات لا تلغي دور المبدع الذي يدرك هدفه كما يعي جيدا وظيفة عمله وأبعاد نصه ـ ورسالته الإبداعية في كل ذلك ، والتناص حسب ليتش “ليس ذاتاً مستقلة أو مادة موحدة ، ولكنه سلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى ، ونظامه اللغوي مع قواعده ومعجمه جميعها تسحب إليها كماً من الآثار والمقتطفات من التاريخ ، ولهذا فإن النص يشبه في معطاه معطى جيش خلاص ثقافي بمجموعات لا تحصى من الأفكار والمعتقدات والإرجاعات” ، التي يتوسل بها الكاتب لبناء رؤيته بنية جديدة ليست هي البنى القديمة لتداخلاته النصية التي كمنت في أعماق نصه الجديد. بل هي النصوص التي امتصها وحوَّلها إلى بنية جديدة ، ودلالات مباينة لما كانت عليه من قبل ، ووظيفة القارئ أن يستشرف دلالات كل تلك المداخلات لتشكيل الدلالة الجديدة للنص .



