“نبوءة الشيوخ” متعة السرد وفجوة الإقناع

المراقب العراقي / متابعة…
لم تتجاوز رواية نبوءة الشيوخ الصادرة حديثاً للكاتب اليمني بسام شمس الدين (1978)، المستوى الفني لروايته الخامسة «نزهة عائلية» الصادرة عام 2017 (دار الساقي/بيروت)، وإن بدت موضوعيًا أكثر تمردًا في اشتغالها على التواجد العسكري المصري في اليمن، خلال ستينيات القرن الماضي؛ وهو اشتغال وإن افتقد المعالجة التاريخية السردية المقنعة في تعامله في حقائق ووقائع معينة، إلا أنه حافظ على التوهج السردي على مسار خط أحداث الرواية.
بالتأكيد أن هذه الرواية، الصادرة في (244) صفحة عن دار ممدوح عدوان للنشر/دمشق ودار سرد للنشر، ليست تاريخية، لكنها اشتغلت على جزء من التاريخ، من خلال الواقع والخيال؛ وهو اشتغال كان يستدعي بالضرورة مراجعة كافية للخلفية التاريخية والاجتماعية والثقافية والسياسية لليمن خلال المدة الزمنية التي تناولتها، وهي السنوات الخمس الأولى من مسيرة ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 (انتقل على إثرها شمال اليمن من حكم الأئمة الملكي إلى حكم الجمهورية)؛ وهي خلفية تعزز، بلا شك، من إمكانيات الكاتب في التعاطي مع الرواية، بما يحميه من ترك فجوات والوقوع في هفوات خلال السرد، كما تمكنه من الإمساك بحوادث يستطيع التعاطي معها روائيًا، بما يعزز موقفه ورؤيته، ويخدم تطور شخصياته وهنا المهم؛ فطبيعة المعارك التي ساقها السارد على أنها دارت في ضواحي صنعاء، وتعامل القوات المصرية مع اليمنيين داخل وخارج السجون، وحكاية الكنز الأثري.. لم تكن مقنعة كما لم تكن كافية للانطلاق في تبني موقف ينال من القوات المصرية في حربها مع الجمهورية في اليمن.
كما أننا هنا لا نبرئ تلك القوات من ارتكاب مخالفات، كما لا ننكر دورها وتضحياتها في مساندة الجمهورية، إلا أن تقديمها في هذا السياق كان يحتاج لمعرفة وافية ودقيقة بطبيعة المرحلة وتناولها في سياق معقد من الأحداث والحوادث، من داخل وخارج العمل العسكري والثوري بما يجعله مقنعاً، وهو يعكس مرحلة من تاريخ اليمن الحديث، خمس سنوات كفترة قصيرة كان يمكن إغناؤها سردياً.
تلك المعرفة وذلك التناول كان سيحمي السارد من ترك فجوات تاريخية والوقوع في أخطاء معلوماتية بعضها يعرف صحيحها الكثير، كحكايته ـ مثلاً- عن وصول أول شاحنة لمدينة يريم (وسط اليمن) عام 1962؛ فهذه المعلومة غير دقيقة تاريخياً؛ ويكفينا العودة لعدة كتب أبرزها كتاب «بعثة الأربعين الشهيرة- التعليم والثورة والإصلاح في اليمن» لمؤلفه كيفن روزر، الصادر عن مركز الدراسات والبحوث اليمني في صنعاء، الذي ذُكِرَ فيه إن البعثة، وهي أول بعثة طلاب من شمال اليمن للدراسة في الخارج، قد وصلت بشاحنة من صنعاء إلى يريم عام 1947…ومهما يكن فهذه الهنات لا تقلل من القيمة الفنية للرواية.
على صعيد الحبكة والبناء اعتمدت الرواية على الحبكة البسيطة؛ التي ارتبطت بحكاية «مهدي نصاري»؛ وهو بطل الرواية الذي كان محور أحداثها والناجي الوحيد ممن اكتشفوا الكنز الأثري، الذي تحققت من خلاله مقولة قديمة لشيوخ قريته.



